اليسار الغربي والنظام السوري: حب المخدوع مرتين

حازم صاغية وسامر فرنجية

تعلق اليسار الغربي، منذ 1967، بقضية فلسطين تعلقاً يعتذر فيه، لا عن الماضي الاستعماري للغرب فحسب، بل أيضاً عن الحب الذي محضه هذا اليسار لإسرائيل الكيبــوتـــزية و «الاشتراكية» واستمر عــشريـن سنـة بـعد نـشأتـها. إلا أن طاقــة التكفيـر شرعـت تـحول أنـظارها عـن فلسطين في 1993 إذ وُقعـت معـاهدة أوسلو للسلام عامذاك، وما لبث الزخم النضالي للقضية أن صار احتكاراً إسلامياً يجد اليسار الغربي له الأعذار إلا أنه لا يستطيع، لألف سبب وسبب، أن يمشي في ركابه.

و«سورية الأسد»، على عكس «حماس»، ليست إسلامية، لكنها أيضاً، على عكس «حزب الله»، ليست شيعية محكومة بولاية الفقيه. وفي نظرة ثقافية أعرض يمكن القول إنها تستقر لحظةً للتوازن المعقول بين «أصالة» مَن لا يفرط بالقضية و «حداثة» مَن لا يشكل إحراجاً لتقدمية اليسار المفترضة.

عند ذاك المنعطف، منعطف «الخيانة» العرفاتية، بدأت العواطف الصريحة تتجه نحو «سورية الأسد» التي كانت حربها القاسية على منظمة التحرير الفلسطينية طوال الثمانينات من أهم أسباب الاستنزاف الذي تعرضت المنظمة له واندفعت تحت تأثيره إلى عقد «صفقة» أوسلو.

والحال أن التحول من الهوى الفلسطيني إلى الهوى السوري لا يكلف كثيراً على صعيد الظاهر الأيديولوجي. فالمخزون اللفظي، ومدارُه مناهضة الإمبريالية ومعاداة إسرائيل، مشترك بين الطرفين العربيين. و «سورية الأسد»، وعملاً بنظريتها في تجميع الأوراق، لا تمانع في وضع هذه الوريقة اليسارية في جيبها، فيما هي تنافس الفلسطينيين على الأوراق الفعلية والأكبر. ذاك أن دمشق، الموصوفة بمناهضة الإمبريالية، كانت لا تتردد في اقتناص أي تعثر يطرأ على مسار السلام الفلسطيني – الإسرائيلي كي تدفع إلى الصدارة مسارها السلمي مع الإسرائيليين.

لقد كان كل تضخيم للدور السوري، أو بالأحرى الأسدي، انتقاصاً من الحق الفلسطيني يكمل معه اليسار الغربي، بسذاجة تقارب البَله، ما بدأه اليمين الغربي قبل عقود.

بيد أن هناك في حب اليسار الغربي لـ «سورية الأسد» عديد العناصر العميقة التي تسند هذا الحب. فسورية لا تقوم على نظام «إقطاعي» و «نفطي» و «عميل للإمبريالية»، لكنها، فوق ذلك، لم تقدم للعالم وجهاً كصدام حسين الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه. ولئن أقدم الأسد الأب على ارتكاب مجزرة في حماة، فإن ضحايا المجزرة إسلاميون «رجعيون» لا يندرجون في الخانة التي يندرج فيها الضحايا الذين صفاهم صدام وفي عدادهم رفاق في الحزب الشيوعي العراقي. وإلى ذلك، لم تتكشف «سورية الأسد» عن حرب أهلية مفتوحة كتلك التي عاشتها الجزائر، ولا انطوى زعيمها على غرابة أطوار محرجة من الصنف القذافي. فإذا ما أقدمت لاحقاً، مع النجل بشار، على اعتناق جزئي للاقتصاد النيو ليبرالي، أمكن تصوير هذا الانحراف بوصفه مؤامرة على نظام سورية «المُستهدَف في صموده». ولم يخلُ الأمر من بعض الغمز من قناة «الطبقة التجارية» السنية، الدمشقية ثم الحريرية، بوصفها من يشق هذا الطريق الأعوج ويُغري آدم بالتفاحة.

وهذا التأويل يستند إلى كراهيتين لم يبرأ منهما اليسار فعبر عنهما مباشرةً مرةً ومداورةً مراراً. فهناك، أولاً، وبحسب رواية تاريخية أحادية الخط، الكره «التقدمي» للسنية بوصفها العمق العثماني «الرجعي» ومصدر ملاكي الأراضي ومستودع التقليد «البائد». وهذا ناهيك عن أن طبقات سياسية سنية هي التي ورثت الأنظمة الكولونيالية في المشرق فمارست «العمالة» لدول المتروبول، وانتهجت، إلى هذا الحد أو ذاك، سبُل المؤسسات والبرلمانات مما لا ينم عن قطيعة جذرية مع الغرب وطرائقه. وهذا أمر تبَعي لم توقفه إلا الانقلابات العسكرية على تلك الطبقات المتعاونة. يصح ذلك في سوريين كجميل مردم وخالد العظم مثلما يصح في عراقيين كنوري السعيد أو أردنيين كوصفي التل. وقد جاء اللبناني رفيق الحريري يعيد الاعتبار لتلك الطبقات باستعراض ظافري يستحق عليه العقاب اللازم. وفي هذه الغضون غُض النظر عن التركيب الطائفي الأعرض للنظام السوري إذ التحليل بالطوائف استشراقي بالضرورة!

أما الكره الثاني، الشعبوي تعريفاً، فيطاول لبنان. ولما كان معظم ثقل السياسة السورية منذ 1976 يقع فيه، غدا الموقف السلبي من لبنان شرط الموقف الإيجابي من «سورية الأسد»، والعكس بالعكس. فقطاعات عريضة من سكان لبنان ترطن بالفرنسية، ثم إن بيروت، على عكس الشام «الأصيلة»، مكان هجين رضي على نفسه أن يكون واجهة للسلع الغربية. فإذا أضفنا اللون المسيحي التاريخي، اكتملت لليسار الغربي عدة التكفير عن ذنوب الآباء والأجداد مجتمعين. ولبنان، في آخر المطاف، بلد صغير لا يصلح لبناء الجيوش الجرارة كما لا يصلح «قاعدةً مادية عريضة للإنتاج»، وهو تعاقدي التركيب لا تسري عليه الأيديولوجيات الموحدة والتوحيدية التي تهبط من الأعلى إلى الأدنى فلا يشذ عنها إلا بضعة «خونة» و «عملاء». ثم إذا كانت «سورية الأسد» تبدي ميولاً توسعية وإمبراطورية، فهذا إنما يرشحها «موضوعياً» للصدام بما أنشأته معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية. فأين الضرر في ذلك؟

إلى هذا جاء حب اليسار الغربي لـ «سورية الأسد» في لحظة التحول السياسي لدور هذا اليسار الغربي ولطبيعته أيضاً. فمع انتهاء المشروع الناصري وفكرة الدولة العالمثالثية من جهة، وضمور الثورة الفلسطينية وانطواء أحلام المزج بين التحررين الوطني والاجتماعي من جهة أخرى، فقد اليسار الغربي المحاور العربي المفترض وتحول العالم العربي مجرد ساحة يُمارَس فيه التضامن من بعيد. إلا أن «سورية الأسد» عادت تبث بعض الحرارة في هذا الفتور: ذاك أن «ضرورات الصراع السياسي» مع الولايات المتحدة كما تجلت في العقد الأخير للقرن الفائت فرضت تقبل الدور الاستخباراتي والأمني لدى الأعداء الجدد لـ «الإمبريالية». في هذا السياق، ورثت «سورية الأسد» أيتام اليسار الذين صالحتهم «ضرورة الصراع» مع خيارهم الصعب أخلاقياً، فيما تبخرت اهتماماتهم النظرية السابقة بأنظمة «بورجوازية الدولة» و «البورجوازية الصغرى» ومؤسسات القهر والقمع التي تنشئها.

بيد أن «سورية الأسد» لم تتخلف عن دعم «المقاومات» في العراق ولبنان وفلسطين، على رغم وقوعها في «ما بعد» الناصرية و «ما بعد» الثورة الفلسطينية، أي ما بعد الصراعات المفتوحة والملتهبة أيام عز «المعسكر الاشتراكي». وهذا يوفر لما يُفترض أنه عقلانية اليسار زاد الواقعية والحكمة اللتين عبرت عنهما شخصية حافظ الأسد أحسن تعبير، قبل أن ينتقل الأمر إلى نجله بشار. فمع هذا الأخير تتخلص الواقعية والحكمة من أثقال الانقلاب العسكري والأبوية المفرطة ومجزرة حماة، أي من الاضطرارات المعذورة، فلا يبقى منها إلا التوازن الخالص. فوق هذا تضيف الصفات المنسوبة إلى بشار (زوجته، دراسته في بريطانيا، صغر سنه…) حجة للقول بنضاليةٍ مناهضة للإمبريالية من غير أن تكون أصولية أو سلفية. أي أن الرئيس السوري الحالي، و «العلماني»، يصح كاريكاتوراً عن ذاك الدمج القديم بين النضالين التحرري والاجتماعي.

لكن ذلك كله لا يُعفي من حقيقة محفورة حفراً في صلب الواقع، هي أن نظام الأسدين أكثر الأنظمة العربية بيعاً وشراء مع «الإمبريالية». وهذا إذا ما أفصح عن شيء فعن هامشية ذاك اليسار وعيشه في عالم غير هذا العالم. إنه حب المخدوع بذاته قبل أن يخدعه خادعه

 

Advertisements

الشرق الأوسط: أجندة جديدة للتعاون الأمريكي – الروسي

مادلين أولبرايت وايغور إيفانوف

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدنا تدهورا سريعا في مناخ العلاقات الأميركية الروسية، ونعتقد أن هذه التوجهات المؤسفة لا تخدم أيا من المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لبلدينا أو الأمن الدولي بصفة عامة. ولا يمكن لعلاقاتنا أن تظل رهينة السياسات في كلا البلدين، بل ينبغي علينا أن نضع خارطة طريق جديدة لعام 2013 وما بعده.

ومع إعادة انتخاب الرئيس أوباما وتحمل فلاديمير بوتين المسؤولية في موسكو، حان الوقت لكي يعيد كلا الزعيمين تفعيل التعاون الأميركي الروسي كي تستفيد منه الدولتان. وبمقدورهما أيضا التعاون معا لتعزيز الأمن العالمي وتمهيد الطريق لعالم أكثر استقرار وانتظاما.

تلتقي المصالح الأميركية والروسية في عدد من القضايا الملحة والآنية. وكما كتبنا معا في السابق، تتقاسم الدولتان هدفا عاما يتمثل في خفض الأخطار النووية. وقد كانت معاهدة «نيو ستارت» إنجازا مهما، غير أن هناك إمكانية لبذل المزيد، من بينها تسريع تطبيق التخفيضات التي أوصت بها المعاهدة (لماذا ننتظر حتى عام 2018 كي نصل إلى الحدود القصوى نافذة المفعول بشكل كامل؟)، وتدشين مفاوضات ثنائية جديدة لمزيد من التخفيض في المخزون النووي.

تسيطر روسيا والولايات المتحدة على نسبة 90 إلى 95 في المائة من الأسلحة النووية في العالم، ويمكننا سريعا أن نواصل المفاوضات بشأن مزيد من التخفيضات كي نضمن أمننا. وإذا فعلنا ذلك فسوف نكون أكثر إقناعا عندما نطلب من الدول الأخرى التي تمتلك أسلحة نووية الانضمام إلى معاهدة خفض الأسلحة النووية، وسوف نعزز من مصداقية دبلوماسيتنا في حشد الضغط الدولي ضد إيران لمنعها من محاولة إنتاج سلاح نووي.

ويشهد عام 2013 الذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة حظر التجارب النووية، أول اتفاقية للحد من الأسلحة النووية، ولذا فهو العام الأنسب لتصديق مجلس الشيوخ على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي كانت تعاني من الإهمال لثلاثة عشر عاما. ويمكن للولايات المتحدة أن تنضم إلى روسيا والدول التي وقعت على الاتفاقية ودخول المعاهدة حيز التنفيذ.

لا يزال النزاع طويل الأجل على الدفاع الصاروخي يلقي بظلاله على التقدم المحتمل بشأن الحد من السلاح، رغم تعبير كل من الناتو وروسيا عن التعاون في هذا الإطار. والآن حان الوقت كي نكون أكثر إبداعا. ومع قليل من الخيال على الجانبين، يمكن للدفاع الصاروخي أن يثبت أنه مغير اللعبة، ويجعل الناتو وروسيا حلفاء حماية أوروبا.

وقد ركزنا على قضايا الحد من السلاح فقط، لا بسبب التداعيات الأمنية على روسيا والولايات المتحدة. فالتقدم بشأن الحد من السلاح يمكن أن يساعد أيضا في تعزيز المكاسب في العلاقات الحدودية كما حدث في الماضي.

والتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا سيشكل أهمية خاصة بشأن عدد كبير من القضايا. فعلى سبيل المثال، لا ترغب الولايات المتحدة وروسيا في عودة أفغانستان إلى حكم طالبان أو أن تصبح دولة فاشلة. وربما كان ذلك سببا في تسهيل روسيا وتعاونها في تدفق الإمدادات إلى قوات الولايات المتحدة والناتو في أفغانستان. ومع اقتراب نهاية العمليات القتالية في أفغانستان، ينبغي على واشنطن وموسكو، معا، دعم القادة الأفغان في بناء مجتمع مستقر قادر على تحمل الضغط من المجموعات المتطرفة العنيفة.

من بين مناطق الاهتمام المشترك الأخرى تعزيز التوسع في علاقات الاستثمار والتجارة الروسية الأميركية، حيث تراجع مستوى العلاقات التجارية الثنائية كثيرا عما يفترض أن تكون عليه، بالنظر إلى حجم الاقتصادات في كل البلدين. وسوف تفيد الزيادة كلا البلدين، فدخول روسيا حديثا إلى منظمة التجارة العالمية سيسهم، كما هو الحال بالنسبة للتطبيق الكامل لبنود دخول السوق والتجارة المهمة التي جعلت الاتفاقية ممكنة. وكان قرار الكونغرس بإزالة قيود الحرب الباردة وتوسعة العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة لتشمل روسيا وضعا طال انتظاره.

من المؤكد أن التعاون بشأن بعض القضايا لا يعني أن على موسكو وواشنطن الاتفاق بشأن كل القضايا، وبسبب التفاعل على بعض القضايا، لا يزال من الصعب توقع الاتفاق حول كل قضية. ويمكن لاختلاف المنظور أن يكون في بعض الأحيان حادا حول سوريا وحقوق الإنسان والديمقراطية. بيد أن الاختلافات مهما كان تعقيدها وألمها ينبغي ألا يحجب التطور في العلاقات على جبهات أخرى. من المهم ألا نقاطع الحوار حتى بشأن القضايا التي تختلف فيها المواقف بشكل جذري.

يعلم تاريخ العلاقات بين واشنطن وموسكو أهمية الحوار الرئاسي والقيادة. وإذا ما قدر لدولتينا الحصول على الفائدة القصوى من المصالح المشتركة ينبغي على الرئيس أوباما وبوتين أن يجعلا الشراكة أولوية.

وقد يتوقع البعض أنه بعودة بوتين إلى رئاسة روسيا ستكون إدارة العلاقات الروسية الأميركية أكثر صعوبة. ونحن لا نرى سببا في افتراض ذلك. فإعادة توجيه العلاقات الثنائية اليوم أكثر قوة مما كانت عليه في عام 2008، وما كان هذا التطور ليحدث لو أن بوتين عارضه. التحدي الذي يواجه الرئيسين اليوم هو الانتقال الآن إلى المرحلة التالية – وهي تدشين مهمة تاريخية لبدء فصل جديد في العلاقات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة.

————————-
* نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية، الأربعاء، 2/1/2013.

 

الحياة اللندنية: مرحلة «الجحيم»: روسيا وأميركا تطلقان يد النظام

عبدالوهاب بدرخان *

الخميس ٣ يناير ٢٠١٣

لماذا اندفع الروس والأخضر الابراهيمي الى «حل سياسي» ما لبثوا أن أفشلوه بإدارتهم السيئة والمكشوفة الأهداف؟ ولماذا لم يتصرف المبعوث الدولي – العربي بأسلوبه واختار الطريقة اللافروفية؟ إنه التفاهم الاميركي – الروسي، أو تفاهم هيلاري كلينتون – سيرغي لافروف في 7/12/2012 في دبلن. الاميركيون يريدون أن يستبعدوا مسبقاً أي تطوّر قد يضطرهم لاحقاً الى التدخل. حتى «الخط الأحمر» الكيماوي ليس جدياً على رغم أن باراك اوباما نبّه اليه مراراً، واذا تجاوزه النظام السوري فلن تتدخل الولايات المتحدة ولا حلف الأطلسي، وقد فهم النظام أن في إمكانه استخدام هذا السلاح شرط ألا يتخطّى نطاقاً جغرافياً معيناً، وإلا فإن واشنطن و «الناتو» سيعتمدان على تدخل اسرائيلي.

يتبيّن الآن أن ما أوحاه الاميركيون للمعارضة من اعتماد عليها وما أغدقوه من وعود بالمساعدات المالية والأسلحة النوعية، قبل استيلاد «الائتلاف» في الدوحة وبعده، كان مجرد كلام. وما لا يريده الاميركيون يُحجم عنه «أصدقاء سورية» الآخرون، بدليل أن كل مصادر المعارضة تجزم بأن الدعم المالي والعسكري تضاءل منذ أواخر آب (اغسطس) الماضي ثم توقف كلياً منذ اعلان «الائتلاف». فواشنطن بحثت دائماً عن حل سياسي، صيغته المثلى أن ينخرط فيه الجزء «المقبول» من النظام وأن يتنحّى بشار الأسد فوراً أو بعد بضعة شهور، لأنها لم تعد تستطيع التعامل معه. لكن موسكو حاججت باستحالة الشروع في أي حل اذا لم يكن الاسد جزءاً منه ومتعاوناً فيه، خصوصاً أن المطلوب عاجلاً اعادة هيكلة الجيش والأمن. بعد تردد طويل، سلّم الاميركيون المهمة الى الروس ليعالجوا الأمر مع النظام طالما أنه حليفهم. اشترط الروس التحرك في اطار «اتفاق جنيف» الذي لا يقارب مسألة تنحي الاسد ولو تلميحاً، ووافقوا على تعديل «طفيف» في سياق التطبيق ومن خارج النص. هذا التعديل تمثل في عبارة «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة»، ما عنى أن الاسد مدعو الى التوقيع على تفويض صلاحياته، أي على «نقل السلطة» الى رئيس الحكومة الذي يُفترض أن يكون نائبه فاروق الشرع. اذا صحّ ذلك، فإنها صيغة متقدمة بل اختراقية، حتى لو عَنَت أن الاسد باقٍ في الصورة لبعض الوقت. وسواء أكانت حقيقة أم وهماً، فإنها تعطي الأولوية لوقف القتل والتدمير ولإغاثة المنكوبين وفتح الأفق أمام تغييرٍ في النظام، أما محاسبة القتلة والمجرمين فتأتي لاحقاً.

ما الذي حصل؟ انه السيناريو نفسه: جاء الابراهيمي. قابل الاسد. سلّمه «المقترح». استُمهل للجواب. وفي الانتظار ملأ بعض وقته بلقاء مع «معارضة الداخل» التي يعرف مسبقاً أنها لا تقدّم ولا تؤخر شيئاً في تحركه. ثم علم أن فيصل المقداد طار الى موسكو. أي أن الاسد اختار أن يناقش جوابه مع روسيا. اذاً، فالابراهيمي دُعي أيضاً للذهاب اليها ليتبلّغ أن رأس النظام يرفض نقل الصلاحيات، وأنه مصمم على البقاء حتى نهاية ولايته في 2014 وعلى ترشيح نفسه للرئاسة في الانتخابات المقبلة. وطالما أن المبعوث الدولي – العربي جاءه بصفته رئيس الدولة، فليس له أن يتدخل في صلاحياته، فهو من يعيّن رئيس الحكومة ويحدد له مهمّته… وللغرابة ها هي موسكو، وعلى هامش استقبالها المقداد، توجّه دعوة الى ائتلاف المعارضة للحضور والتباحث بشأن الحوار. أي حوار، مع مَن، وكيف، وبأي أجندة، ووفقاً لأي شروط؟

لم تكن موسكو تمكنت بعد من تسويق «الحل» لدى النظام، فإذا بها تقفز الى تسويقه عند الائتلاف. كانت هذه خطوة غير ديبلوماسية قابلها رئيس الائتلاف بردّ غير ديبلوماسي. لم يكتفِ بأن موسكو المتماهية مع النظام لا تُزار، بل يطلب منها الاعتذار عما ارتكبته بحق الشعب السوري، لكنه لم يرفض مبدأ الحوار، وهذا ما تلقفه ميخائيل بوغدانوف ليقول إن الحوار ممكن في أي عاصمة اخرى. طبعاً دار نقاش ساخن في مختلف أوساط المعارضة حول ردّ معاذ الخطيب، تحديداً حول مسألة «الاعتذار» والذهاب في العداء مع روسيا الى هذا الحدّ، لكن «الائتلاف» شعر بأن الروس والابراهيمي تعمّدوا تهميشه وأنهم لا يقدّمون له أكثر من كرسي الى طاولة حوار مع النظام يعرفون مسبقاً أنه يرفضه.

هي جولة أولى خاضتها روسيا، وسط صمت اميركي مطبق، وخرجت منها بتهديدات واضحة أطلقها لافروف كما لو أنه يتوجّه بها الى الطرفين، لكنه كان يعني المعارضة. وساهم الابراهيمي بدوره في التخويف من «الجحيم» و «الصوملة» واحتمال سقوط مئة ألف قتيل، مع علمه أن النظام لا يكترث وأن المعارضة لا تستطيع العودة الى الوراء. وإذ يستعد الروس والاميركيون لمعاودة التشاور قريباً لتقويم ما حصل في ضوء واقع أظهر بوضوح أن الطرفين غير جاهزين لعقد تسوية، ما يوجب تركهما ليحرق أحدهما الآخر، لعل الاكتواء بالنار يُنضج «الحل». ماذا يعني ذلك واقعياً؟ في الجانب السياسي ستطلب موسكو، طالما أن واشنطن أطلقت يدها، أن يبادر الاميركيون الى الضغط على المعارضة وضبط «أصدقائها» ولا سيما تركيا التي كان واضحاً أنها لم توضع في صورة ما تحاوله روسيا والابراهيمي. لكن الأسوأ سيكون في الجانب الميداني، لأن النظام تلقى من التحرك الروسي رسالة تطلق يده لإشعال «الجحيم» غير آبهٍ بالاستنكارات الدولية أو العربية التي لم يسمع شيئاً منها بعد مجزرتي حلفايا ودير بعلبة (استخدمت فيها صواريخ «الفاتح» الايرانية، ولم يشر «الناتو» اليها على رغم أنها أقوى من صواريخ «سكود»). في المرحلة الوشيكة سيخوض النظام معركة روسيا، التي باتت الآن تحضّه على الحسم، وتدعم اعتماده على خبرات ايران و «حزب الله»، لأنها تريد وضعاً ميدانياً مختلفاً تماماً حين تعود الى طرح الحل السياسي بعد أسابيع قليلة. وفي الوقت الذي كانت المعارضة تنتظر مدّها بأسلحة نوعية، صار المتوقع أن يحصل النظام على أسلحة كهذه. فموسكو تريد منه أن يظهر قدراته وأن يذهب الى أقصى ما يستطيعه. لذلك يشعر النظام راهناً بأنه في صدد اكتساب الصمت الدولي الذي مكّنه قبل ثلاثين عاماً من ارتكاب مجازر حماه، اذ تتحدّث مصادره عن آلاف القتلى في «مفاجآت مروّعة» في ريف دمشق.

لم تكن واشنطن وحدها صامتة طوال الاسبوع الديبلوماسي بين دمشق وموسكو، فهل تركت الروس والابراهيمي يحاولون لتقول كلمتها من بعد؟ لا، الأرجح أنها قالت ما عندها يوم 11/12/2012 في العشية المباشرة لمؤتمر «أصدقاء سورية» في مراكش، عندما أعلنت وضع «جبهة النصرة» على قائمتها للدول والتنظيمات الارهابية. فهذا الموقف أفصح عن حقيقة الموقف الاميركي بأكثر مما عبّر عنه الاعتراف بائتلاف المعارضة في اليوم التالي. في النهاية لم تفصل واشنطن مقاربتها للوضع السوري عن العقدة التي ورثتها من تجربتها العراقية، كما لو أنها بلغت في مراجعتها ليس حدّ الندم على اسقاط نظام صدّام حسين فقط، بل أيضاً حدّ الحرص على الإبقاء على نظام بشار الاسد. أما الصمت غير الطبيعي فيبدو أشبه بالفسحة الضرورية الفاصلة بين موقفين ووجهين، فليس مستبعداً أن تستهلّ أميركا 2013 بوجه آخر يقول إنها تقف وراء المساعي الروسية من خلال مساندتها مهمة الابراهيمي، وأنها تعتقد أن الحل المقترح جيد بالنظر الى الفوضى التي غرقت فيها سورية. وفي أي حال أمكن المعارضة، في الاسابيع الاخيرة، أن تلمس انكماشاً في تعامل «الاصدقاء» معها… فتّش عن اميركا!

 

عبد العزيز الخير جدلية المعتقلات والحرية

 

حكاية رجل في بحث حثيث عن الحرية  …حكاية مناضل طويلة ,عندما كان لا يجرؤ الكثيرون على الشكوى والاحتجاج ,وقف في وجه الجلاد يطالب بالحرية ..حلم الحرية الذي ما زال على كل من يفكر فيه أن يخسر حريته وربما حياته ومع ذلك كان يتساءل “أبو المجد “ما الإنسان دون حرية ؟!

تفتح وعيه باكراً ًعلى ما يجري في بلاده ,متنقلاً بين المدن السورية من اللاذقية إلى حمص ودمشق و…استطاع الجمع بين دراسة الطب البشري والاهتمام بالشأن العام ,ثم اختار التفرغ للشأن العام ,والوقوف في وجه من يحر م السوريين من حق الكلام والدفاع عن ابسط حقوقهم الإنسانية .وظل متميزاً ًبقدرته على الفصل بين السلطة وبين الدولة.وافرد اهتماماً  خاصاً بإرهاب الدولة البوليسية والتي مارست الاختطاف لأقارب الناشطين السياسيين واحتجازهم كرهائن للضغط على المناضلين وأسرهم .وكان “أبو المجد”واحداً من العديد من المناضلين الذين تعرضوا لذلك الإرهاب ,حيث اعتقلت زوجته”أم المجد”عدة سنوات كرهينة ,وحرم الطفل “مجد” من والديه .ومع ذلك كان عبد العزيز, الأهدأ بيننا ,لا يقدم على أية ردود فعل تؤثر على مشروعنا الديمقراطي التغييري .وكان حريصاً على تسجيل كل تلك الجرائم    غير الأخلاقية  وتوثيقها في “مذكرات ديمقراطية” للمعتقلين والشهداء من كل أطياف الحركة الوطنية الديمقراطية .وفي سياق حملة 1986-1987و1988 .وجه عبد العزيز, رسالة إلى المثقف العربي ,تزامنت مع مشروع وثيقة حقوق الإنسان التي  أطلقها ألأستاذ سعدي يوسف ,كانت رسالته :وأنت ماذا فعلت وماذا ستفعل ؟منتقداً المثقفين العرب واليساريين منهم الذين يصدرون بيانات ضد قمع الجهات الأربع ويتجنبون ساحتهم الفعلية …

    ركز الخيَر جل نشاطه على ضرورة إنجاز الديمقراطية ورفض الاستبداد والنضال ضده بكافة الأشكال ولم تغب المسألة الوطنية عنه ,بل كان يؤكد على الصلة العضوية بينهما وتتقدم المسألة الديمقراطية على الوطنية خطوة كونها تشكل مفتاحاً لها .ولذلك كان الخيَر واضحاً في موقفه الداعم  للمقاومة الفلسطينية واللبنانية عموماً واليسارية منها على وجه الخصوص ,وحريصاً وداعماً لاشتراك  أعضاء  من حزب العمل الشيوعي ومناصريه  للدفاع عن بيروت في العدوان الصهيوني عام 1982 .وسقط للحزب أكثر من شهيد والعديد من الجرحى.

وبذل الخير  أقصى  الجهود من أجل ولادة الإطار القانوني الأول  في سوريا “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا “في أوائل  التسعينات , الذي أطلقنا عليه “عقد الظفر بالحريات “,وأطلق الخَير مبادرات لتفعيل ديناميات وآليات اجتماعية وأهلية للضغط على النظام من أجل الإفراج عن مئات المعتقلين .توجت تلك الجهود في تسجيل سابقة نضالية في تاريخ المرأة السورية ,عندما تمكنت  300 امرأة  من كل سوريا الوصول إلى قصر المهاجرين في اعتصام للمطالبة بالمعتقلين …فجن جنون النظام آنذاك وسارع إلى تكثيف البحث عنه ,وأخذت الأجهزة الأمنية تتسابق للقبض عليه .أضيفت تلك  التهمة إلى سجل سابق   حول دوره في تظاهرة النيروز عام 1986 , ودوره في  إسقاط قائمة الجبهة في انتخابات الإدارة المحلية في بلدة صيدنايا بالاشتراك مع الرفيق جريس التلي , حيث اعتقل جهاز ألأمن السياسي رئيس بلدية صيدنايا ,وكان الهدف من ذلك إلقاء القبض على أبو المجد ,وقبلها  وبعدها المناضل الوطني الديمقراطي والقيادي البارز في حزب العمل الشيوعي ,لكن فرع الأمن العسكري كان الأسبق و ذلك اليوم في الأول من شباط/فبراير1992 الذي تم فيه اعتقاله وقدم إلى محكمة أمن الدولة سيئة الصيت مع المئات من المناضلين حيث كانت ووجهت لهم تهم عديدة من “مناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية” و”الانتماء إلى جمعية سرية وعرقلة التطبيق الاشتراكي.”… ,وكانت نتيجة تلك المحاكمة الصورية   ,اثنان وعشرون عاماً فقط,قضى منها أربعة عشر عاماً .ويعرف كل من كان في السجن أو مر عليه ,الدكتور عبد العزيز الخير ,الطبيب والإنسان والمعتقل الذي سهر على رعاية السجناء طبياً ونفسياً.ولم يتأخر بعد الإفراج عنه في العودة إلى ممارسة العمل السياسي والتنظيمي .وانخرط في الجهود التي كانت تمور بها الساحة السورية من أجل رؤية  مقاربة لقوى المعارضة  التي انطلقت مع بداية الألفين من ربيع دمشق إلى إعلان دمشق وقد شغل الخير نائب الرئيس فيه حتى أواخر2007 . ولم تنقطع سلسلة   نضالاته وهذه المرة على النطاق اليساري فقد ساهم الخير وبشكل أساسي مع الرفاق القدامى واليساريين السوريين بتأسيس تجمع اليسار الماركسي (تيم) الذي حاول إعادة  الحياة له من جديد بعد حالة الاستنقاع التي أوقفت النبض السياسي السوري عموما واليسار خصوصاً .   

ومع اندلاع الثورة السورية ا

انفتحت آفاق للعمل السياسي النهضوي رغما عن الاستبداد الذي كتم على أنفاس السوريين لنصف قرن على أقل تقدير. هذا الحراك بشكله السياسي لم يرق للنظام الاستبدادي بطبيعة الحال كما أنه لم يرق أيضا للبعض , ممن حاولوا تجيير  نويَيات  البنى السياسية الآخذة بالتشكل رويدا رويدا  وأخذوا التبشير بنهاية السياسة من جهة والدعوة لإغراق الحراك السلمي  بالسلاح وقد شكلت تجربة الخير رئيس لجنة العلاقات الخارجية في هيئة التنسيق محورا في كسر ثنائية الاحتكار(احتكار السلطة والمعارضة ) أمام الشعب السوري والمجتمع الدولي مبرهنا على أنه يمكن  للداخل السوري المعارض أن يبني مؤسساته السياسية المعارضة ذات قوة  معقولة تستطيع انتزاع السلطة من نظام احتكرها نصف قرن هذا

من جهة ومن جهة أخرى برهن الخير, على أنه يمكن للمعارضة أن تعمل على الأرض السورية وقيادة المجتمع على الأرض  وليس  مع الشعب السوري الذي عاد للواجهة بعد أن غيب عقوداً  يقدم دمائه وأبنائه في سبيل الحرية والكرامة ويعاني من  المجازر اليومية التي ترتكبها الآلة الأمنية للنظام الدكتاتوري بسب الحل العسكري, الذي أدخل البلاد في نفق من القتل ودائرة من العنف والعنف المضاد وجرائم  الخطف  والقتل والفرز الطائفي وتصعيد التطرف الديني والذي يفتح البلاد على كل الاحتمالات الدموية و يرفع  فاتورة الدم السوري و يدفع نحو استدعاء  التدخل العسكري .

نفذ النظام عملية اختطافه مع رفيقيه قبيل المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية بأيام للتأثير عليه وإرباكه إن تلك الرسائل لم تثن رفاقهم عن الفعل السياسي المعارض الذي يشكل المدخل الرئيسي لإنقاذ البلاد بمبادرة أهلها وحرصهم  على إيقاف القتل وتهديم المدن وتشريد سكانها   و الانتقال إلى دولة القانون والحرية والعدالة الاجتماعية .

. كان الخير حريصاً على العمل لضمان وصول الثورة إلى أهدافها في إنهاء الاستبداد والانتقال إلى الدولة الديمقراطية العلمانية وبناء سوريا المستقلة ذات السيادة والشعب الحر فكان يدعو و يدعم كل ما يوصل الشعب السوري إلى أهدافه  فسارعت أجهزة القمع لاختطافه مع رفيقيه  وإنكارهم بما يستبطن ذلك من مخاوف جدية على حياتهم , ومن الواضح أن نظام الاستبداد ورعاته أصحاب المصلحة الحقيقية في إيقاف هذا العقل الفاعل المباشر” فكان لابد لهذا العقل أن  يغيب” على حد تعبير المدعي العام أثناء محاكمة أنطونيو غرامشي .  وبالتالي يضع النظام   الثورة السورية في عنق الزجاجة تكريساً لحالة  الاستعصاء الداخلي التي لا زالت  تدمر البنى التحتية إضافة لتفكيك الوحدة الوطنية وهو الرهان الوحيد لنجاح الثورة وإنجاز أهدافها  السياسية  بتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية   وكما عبرٌ بعض المثقفين اللبنانيين  ( منهم زياد الرحباني و مارسيل خليفة و فواز طرابلسي )أثناء الاعتصام التضامني مع الخير رفيقيه   والمعتقلين في غياهب أقبية  القمع بأن اعتقالهم  إنما يشكل ضربة  لقيم الوطنية والسلمية والمدنية الديمقراطية  وللشكل السلمي للثورة السورية  ومن أجل ذلك و غيره  لا يمكن  الصمت عن اعتقال مناضل تاريخي ومثقف عضوي لم ينفصل يوما عن شعبه وقضاياه.  

 

محمود عيسى .           

حزب العمل الشيوعي… السر في الاستهداف والمشروع الوطني الديمقراطي

حزب العمل الشيوعي… السر في الاستهداف والمشروع الوطني الديمقراطي 
عبد العزيز الخير , مجدولين حسن , مفيد ديوب , هيثم الجندي , سمير حيدر , علاء شويتي , محمود عيسى , عدنان الدبس …. والكثير غيرهم من معتقلي حزب العمل الشيوعي من عمر الثورة السورية في سنتها الثانية وهم مستهدفون على الدوام من النظام السياسي – الأمني. 
وبالعودة إلى الوراء قليلاً عده مئات من مناضلي حزب العمل الشيوعي كانوا دوماً ضحايا النظام السوري بطوريه الأب – الابن . 
يتبادر إلى الذهن الأسباب الكامنة وراء هذا الهيجان الأمني تجاه هذا الحزب الصغير الحجم – الكبير التأثير ؟؟؟ 
يعتقد البعض بأن – الراديكالية – لهذا الفصيل الشيوعي الذي خرج من رحم – الحلقات الماركسية – في منتصف السبعينات وتبلور كجسم تنظيمي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي بعد أن مر بطور تنظيمي مؤقت – رابطة العمل الشيوعي -.
والحقيقة التي سجلها التاريخ والمواقف السياسية لهذا التوجه السياسي تكمن في القراءة السياسية للواقع وللأحداث السياسية في سورية من قبل الحزب : 
في مطلع الثمانينات حدد الحزب قراءته لصراع الدائر آنذاك بين النظام السياسي والأخوان المسلمين بانحيازه إلى الوطن في دعوته إلى الخيار الثالث المتمثل : بإسقاط النظام الديكتاتوري – لقد كان حزب العمل الشيوعي أول حزب سياسي سوري من يطالب بذلك – ودحر الحلف الرجعي الأسود الذي مثلت جماعه الأخوان المسلمين رأس حربته . 
وهو مايفسر وحشيه النظام – رأس النظام – من أجل تصفيته سياسياً وتنظيمياً آنذاك , وقد نجح في ذلك – إلى حد ما – تنظيمياً . 
وفي كل مفصل تاريخي مر بالوطن كان للحزب مشاركته وتأثيره البارز : 
فأعلان دمشق الذي شكل أول محطة مهمة في تاريخ الحركة السياسيه السوريه المعارضة في اتفاقها وتوافقها على الكثير من المسائل الحيوية والجوهرية , كان الحزب حاضراً مع شركائه في المعارضة السورية , كما كان عليه الحال في الموقف من ذات الإعلان – إعلان دمشق – في طوره الثاني والموقف منه . 
وكذلك كان عليه الحال من جميع المحاولات التي شهدها اليسار – الماركسي السوري للتوافق والتوحد خلف موقف سياسي نظري واحد , وكان موقف الحزب داعماً ورافعه سياسيه وتنظيميه لكل المحاولات التي تكللت بتجمعات يساريه – ماركسيه تعتمد قراءه نظرية جديدة لروح الفكر الماركسي . 
واليوم ومع ثورة الشعب السوري العظيمه ضد الديكتاتوريه والاستبداد , كان موقف الحزب منحازاً إلى الخيار الوطني الديمقراطي المستند إلى قراءه واقعيه للمجتمع والنظام , وتجسد ذلك : 
رفض العنف كحل لمطالب الشعب السوري المستحقه , مع التأكيد بأن النظام – وهو القوه الأكبر والأكثر تنظيماً – بل ولكون الخيار العنفي هو أصل وجوهر هذا النظام تجاه شعبه طوال سلطته , لذلك كان التحذير من الأنجرار إلى العنف – الملعب المفضل والوحيد للنظام – مع التأكيد على حق الشعب السوري بالدفاع المشروع عن النفس في مواجهه أله القتل الجهنمية المجنونه للنظام , لذلك كان رفض العنف رداً على الخيار التكتيكي والأستيراتيجي للنظام ولبعض القوى السورية المعارضه لما في ذلك من مخاطر تهدد الوطن والمواطن . 
الموقف من التدخل الخارجي في الشأن السوري لإدراك الجميع بأن – الاستبداد هو من يستجلب التدخل الخارجي – والحال كذلك لدى بعض القوى المعارضه في رؤيتها وقراءتها للصراع وطبيعته مع النظام وصولاً إلى تبرئه بل – وثوريه – كل البنادق طالما كانت موجه نحو النظام , مما فتح المجال واسعاً للتدخل في الساحة السورية , إضافة لأهمية موقعها الجيوسياسي , إقليميا ودولياً عبر شراكه غير معلنه للفرقاء المتصارعين على الأرض ولكل القوى والدول الإقليمية والدولية لتصفيه حساباتها أو لتحقيق مكاسب عبر الدم السوري , مقابل انحطاط وتراجع الدور الإقليمي السوري وتحول سورية من قوه إقليميه إلى كيان ضعيف ومتسول . 
أما الموقف من الطائفية وهو أخطر الشرور والفزاعه التي ظل النظام ولمده أكثر من أربعين عاماً يهدد بها الشعب السوري بكامل مكوناته بحجه الحماية – الحماية مقابل الأمن – هذه المقوله الزائفة والممجوجة من كل الشعب السوري . 
وما يخيف من الطائفية هو الاستخدام المزدوج للنظام من جهة وللثورة المضادة من جهة اخرى , فثورة الشعب السوري ليست ثورة أهل السنه , بل هي ثورة المواطنه , ثورة الحرية والعدالة والكرامة . 
هذه الثلاثية الوطنية الديمقراطية كان عمودها الفقري وحاملها الأساسي هوالأصرارعلى إسقاط هذا النظام الدموي القاتل بحق الشعب السوري . 
هنا فقط يكمن السر في استهداف حزب العمل الشيوعي في سورية مع الكثيرين من القوى والأحزاب السياسية والمستقلين اللذين يجسدون المشروع الوطني الديمقراطي, ليس للخلاص فقط من الديكتاتور , بل من الديكتاتورية , وتفتح الباب لسورية عادله وحرة وكريمة وقوية لكل أبناءها 
ماجد حبو 
1-1-2013

السياسة الروسية بلا استراتيجية وآفاق محدودة!!

 

محمد زكريا السقال

من الواضح أن مرحلة الحرب الباردة التي سادت العالم لعقدين من الزمن  ، مازالت عالقة بسياسي روسيا ، الموروث الستاليني الشمولي ، تبدو معالمه ، ظلاله  واضحة على كرميلن  موسكو – وتبدو تجلياته على بنية السياسة الروسية حيث ينتابها الأنقراض والتآكل وتلاشي دورها الفاعل والمؤثر في عالم المصالح.

  طبعت هذه السياسة وعلى طريقة الأنظمة الشمولية بتجيير كل حلفائها في العالم، كي تبقى متربعة على عرش يتقاسمه مركزان قيل يومها جباران  ، ولا أعتقد ان جبروت السوفييت يومها تجلى  إلا في ترك زمام المبادرة للولايات المتحدة الأمريكية حامية مصالح رأس المال العالمي وترسانته العسكرية.

 حيث طغى  الاستعراض على السياسة السوفيتية آنذاك وتضخيم منجزات الثورة وتمجيد قيادتها والتماهي مع فشلها .

وقمعها وسحقها ليس فقط لنظرية الإشتراكية وأسترداد الثروة من مستغلي الشركات والأسواق ، بل لجعل هذه النظرية شيطان رجيم، حيث مورس باسمها فظاعات واستخدمت للفتك والسحق والتشريد والنفي . مورس هذا كله وتلقفه صبيانها التلاميذ النبهاء بدول العالم الذين حملوا راية التحرر وتبنوا النضال لإنجاز التحرر الوطني والإقتصادي ، وباسم هذين المفهومين ،، على أحقيتهما وضرورتهما ،، إلا ان التطبيق والعقل المفوت والمسيطر عليه بكل أخلاق السلطة القمعية البطريركية الشمولية، شلت المركز ، وفتكت به ومزقت إنسانه وبدأت رقعته تتشظى وينفلت عقدها لصالح المركز الثاني، مركز الرأسمالية ، مركز حقوق الإنسان والديمقراطية بكل ما فيها من الديماغوجيا التي بذلت وأسكتت الجياع وأمنت علاجهم وسمحت لأحزابهم بالعمل. الرأسمالية التي أصبحت حلم المقموعين والمسحوقين في دول العالم ، مسحوقين من أنظمتهم وواقع بؤسهم وممثلي الإيديولوجيا التي تبيح هذا السحق والذل وتهميش الأنسان كقيمة عليا ، تمجيدا لصالح الأب الجديد والحزب العتيد والأمين العام الذي يفكر عن الشعب والحزب والمجتمع .

هذه هي السمات العامة التي طبعت فترة الحرب الباردة التي كسرتها حناجر العمال التشيك في ربيعهم والذي كان الصرخة الأولى للحرية والإنعتاق ، ثم تتالت الحناجر البولندية بعد حين التي  فجرت ربيع بدأ ينخر الجدار الحديدي ويتمدد حتى هدم السور واقتلع فرعون رومانيا ووصل قبر لينين وساحته الحمراء ، ربيع يشبه لحد ما ربيعنا العربي حيث الشرق كشرق لم يدخل الحداثة ولا خبر الحريات المتنورة ولا فلسفة التنوير ولا عقد روسوا.

الربيع الروسي انتج مجتمع منفلت ودهماء عطشى باعت النساء وأعضاء البشر بعد ان باعت كل المنجز السوفيتي الذي اثبت الواقع انه نمر من ورق ، وانتشرت عصابات المافيا والسرقات ووصلت أعمال المافية الروسية الناشئة لأوروبا ولعبوا دوراً لحين ، مجيء وانتاج بوتين الرهيب ، بوتين القادم من بنية القمع الروسي ، من أجهزة التخطيط الإستراتيجي لإدامة السلطة وترتيب البيوت وفرض السيطرة ،السيطرة التي تشظت وأعادت للحيات كل سمات المجتمع الماقبل حداثي  الدين والقومية والعرق  .

كثيرة وعميقة هي المشاكل والإشكالات التي تحاصر روسيا وتقض مضجعها ، تركة كبيرة لا تدري كيف تتصرف بها ، وكيف تسوق لمجدها الغابر. هي اليوم تحمل سمات المجتمع الرأسمالي وتبحث عن الأسواق وتطرح نفسها منافسا ، لكنها بنفس العقل السوفييتي وبنفس البلادة المتجمدة.

كيف تجلت نظرة السياسة الروسية في تعاطيها مع قضية الشعب السوري ومطالب حريته ، هل خرجت هذه السياسة من عباءة البلادة والفهم المتأخر للمتغيرات الحاصلة في المنطقة، هل يمكن تبرير استمرار الدعم الروسي للنظام حتى هذه اللحظة. كل هذا يمكن رؤيته في حركة السياسة الروسية المعلنة والتي يمكن اختصارها في النقاط التالية:

على مستوى السياسة الداخلية

1 ـ  ترتيب سلطة أمنية ، تفتك بالمعارضة وتبقي على مافيا السلطة الروسية وتلغي نداء الحرية لدى الشعب.

2 ـ تقريب وتلميع الموالين ودس الشقاق بالمجتمع.

على مستوى السياسة الخارجية

3 ـ استمرار التماهي بالعلاقة وتقديم الدعم لدولة استبدادية والإصرار على الاصطفاف بجوار الطغاة.

4 ـ عدم الاكتراث لأي تحرك بالعالم المتفجر والذي أصبح يحس بوطأة الأزمات الأقتصادية والفقر ونهب الثروات .

5 ـ لم تسوق ولم تستفد من تاريخها كدولة غير استعمارية في منطقتنا، بل راكمت الخيبات من ردود فعلها وعدم فاعليتها.

لهذا نجد الروس يسمون سياستهم بالخسارة دائما  ، مترددين  ، يقفون بالجانب الخطأ بينما الدول الرأسمالية  يقفون وبمراوغة مع الشعوب المنتفضة ويدعمون تطلعهم للحرية والأنعتاق من الأستبداد  .

لا يمكن الأستغراب بأن السواد الأعظم من السوريين ، يكاد يجزم بعدم جدارة السياسة الروسية ، بل اصبح لديهم قناعة بأن الروس شركاء بقتلهم وتدميرهم وبوقوفهم لجانب النظام المجرم والفاسد.

عول الشعب السوري ان يقف الروس الى جانب مصالحهم ، حيث افترض ان روسيا ستدعم نضالهم لإنتزاع الحرية والكرامة وستساهم معهم في بناء دولتهم الحديثة الدولة الوطنية الديمقراطية دولة المواطنة ، حيث يمكن ان تكون بوابة الدخول للمنطقة من أجل فرض سياسة توازن واعادة ترتيب المنطقة التي استبيحت ومزقت ونهبت ثرواتها والروس يتفرجون بل غائبون بالمطلق عن السياسة .

ما الذي جناه الروس بهذه السياسة ، بعض الفتات الذي تمول به إيران صفقات السلاح للعراق وسوريا وحزب الله ، وبعض الأموال المودعة بالبنوك الروسية ، ما هي نظرتهم لمستقبل علاقتهم بالمنطقة ، ماذا يمكن ان يكون لوجودهم بعد ان ينهزم الطغاة ، هل ستبقى هذه الصفقات ، التي اثبتت وعلى عقود ان السلاح الروسي أو الأمريكي دون انسان ومواطن وحرية وكرامة ، هو سلاح بلا فاعلية ،،، بل سيكون عبئا مدمرا للشعوب .

روسيا تطلب من قوى المعارضة السورية زيارتها ، وتطلب لقاءات واجتماعات ، عامان والشعب السوري يتطلع لحل حقيقي ينهي مآساتهم مع هذا الطاغية ، عامان وكل القوى ذهبت لموسكو، وتكلمت عن تمتين العلاقات ودور روسيا بالمنطقة الذي سيقوى وسينموا اذا وقفت لجانب شعوب المنطقة الذين يتطلعون للحرية والخلاص والإنعتاق من المجرمين والقتلة الفاسدين ،، قالوا الكثير ، قالوا أكثر مما قاله مالك بالخمر ،، ومن الواضح ان الروس لايشربون الخمر المعتق، بل الفودكا التي لم تساهم لغاية الآن بأشعال عقلهم وقدحه ليعرفوا كيف يعمل بالسياسة عندما تهب رياج التغيير في العالم وتتولى الشعوب زمامها ،،.