أرشيف | صحافة RSS for this section

الغارة الإسرائيلية: انقلاب الخط الاحمر إلى ضوء اخضر! صبحي حديدي

ما دام إعلام النظام السوري لا يكذب فقط، بصدد إغارة سلاح الطيران الإسرائيلي علىمواقع عسكرية داخل سورية، بل يستغفل عقول البشر على النحو الأشدّ ابتذالاً؛ فإنّ منالطبيعي لأي صاحب عقل، أو أي آدمي غير مغفل ببساطة، أن يلجأ إلى المنطق البسيط،وبعض المعلومات الشحيحة، ليقلّب الرأي في أمر هذه الغارة. المفارقة الدائمة، فيملابسات كهذه تحديداً، أنّ المرء ـ والمواطن السوري، بصفة خاصة ـ يجد نفسه مضطراًلاستقبال سيل من التفاصيل الملموسة، تأتي من مصادر الإعلام الإسرائيلي، ثمّالعالمي؛ تنبع جاذبيتها الأولى من أنها تتسم بدرجات من الترجيح المنطقي غير ضئيلة،خاصة إذا ما وُضعت على محك المقارنة مع وقائع أخرى ذات سياقات مماثلة.
وهكذا،نقلت وكالة أنباء النظام (سانا)، عن بيان لقيادة الجيش، التالي: ‘اخترقت طائراتحربية إسرائيلية مجالنا الجوي (…) وقصفت بشكل مباشر أحد مراكز البحث العلميالمسؤولة عن رفع مستوى المقاومة والدفاع عن النفس الواقع في منطقة جمرايا بريفدمشق، وذلك بعد أن قامت المجموعات الإرهابية بمحاولات عديدة فاشلة وعلى مدى أشهرللدخول والاستيلاء على الموقع المذكور’. في عبارة أخرى، ما فشلت فيه ‘المجموعاتالإرهابية’، وهي التسمية التي يطلقها النظام على كتائب ‘الجيش الحرّ’، نجح فيتنفيذه سلاح الجو الإسرائيلي؛ الأمر الذي يعني أنّ التنسيق بين العدو الصهيونيوالمعارضة السورية ليس على قدم وساق فحسب، بل هو يرقى إلى مصافّ تنفيذ المهامالعسكرية المباشرة، وخاصة ضدّ المواقع التي ترفع ‘مستوى المقاومة’ داخل صفّالنظام!
فهل يُلام المرء إذا ضرب كفاً بكفّ إزاء هذا الاستغفال الفاضح، بقدر ماهو مفضوح، ومضى يلتمس تأويلاً أكثر عقلانية، في هذه الرواية الأخرى: أنّ الغارةاستهدفت قافلة عسكرية كانت تنقل شحنات من صواريخ SA-17روسية الصنع، في طريقها إلىمخازن ‘حزب الله’، في لبنان؟ ألا يجوز للمرء ذاته أن يتذكّر ‘المحرّمات’ التيفرضتها إسرائيل على النظام، في الشطر التسليحي من علاقاته مع ‘حزب الله’، وعلىرأسها عدم السماح بمرور أسلحة صاروخية (مضادة للطائرات، مضادة للزوارق الحربية، أوأرض/أرض بعيدة المدى وعالية الدقة، إيرانية أو روسية الصنع)؛ يمكن أن تغيّر ‘قواعداللعبة’، حسب تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت؟
وإذا جاز ذهابالمرء خطوة أخرى، كلاسيكية بقدر ما هي مأساوية، فإنّ السؤال التالي يصبح تحصيلحاصل، واجباً في الواقع: ما قول النظام ‘الممانع’، في طائراته الحربية التي تقصفالسوريين في قرى وبلدات ريف دمشق، ثمّ تولّي الأدبار في وجه طيران العدوالإسرائيلي، الذي يعربد على مبعدة كيلومترات قليلة؟ وما قول قيادة ‘حزب الله’ فيهذا ‘الانتهاك’، لكي لا ترد إلى البال مفردة ‘عدوان’، على ‘سورية حافظ وبشارالأسد’، حسب التوصيفات الأثيرة التي تجري على لسان حسن نصر الله، الأمين العامللحزب؟ وأخيراً، ما قول علي أكبر ولايتي، ‘المساعد الرفيع للمرشد الأعلى للثورةالإيرانية’، في أنّ ‘بشار الأسد خطّ أحمر’: هل يصبح الأحمر أي لون آخر، أخضر مثلاً،إذا اختطته إسرائيل؟
والحال أنّ سوابق النظام في التشاطر، وكذلك سوابق حلفائه فيانتهاج التواطؤ الصامت، ليست قليلة أو عابرة، في الكمّ كما في النوع، وخاصة خلالعامَيْ 2007 ـ 2008. وكيف لا تُستعاد تلك الغارة الصاعقة، خريف 2007، حين قامتقاذفات إسرائيلية باختراق حرمة الأجواء السورية من جهة الساحل السوري، بعد اختراقجدار الصوت على هواها، لتبلغ أهدافاً حيوية في العمق السوري (مساحات واسعة فيالمنطقة الشرقية ـ الشمالية، من بادية دير الزور إلى تخوم المثلث السوري ـ العراقيـ التركي، مروراً بمطارَين عسكريين في الأقلّ)، وعادت أدراجها سالمة مطمئنة؟ وكيفلا يُستعاد، أيضاً، اغتيال العميد محمد سليمان، والإنزال الأمريكي داخل العمقالسوري في منطقة البوكمال، وتحليق القاذفات الإسرائيلية فوق الاستراحة الرئاسية فياللاذقية، وقصف معسكر ‘عين الصاحب’ غرب دمشق، لكي لا نعود بالذاكرة إلى اجتياحبيروت سنة 1982؟
بيد أنّ الواقعة التي لا غنى عنها هنا، لأنها تشمل النظام و’حزبالله’ وإيران وخرافة ‘الممانعة’ في آن معاً، هي اغتيال عماد مغنية؛ المقاوِماللبناني الإسلامي الأشهر ربما، والقيادي العسكري الأبرز في ‘حزب الله’، والذي قديكون احتلّ ـ قبيل أسابيع قليلة من اغتياله في دمشق بتاريخ 12 شباط (فبراير) 2008 ـموقع الشخصية الثانية في الحزب بعد نصر الله. ولا غنى، بادىء ذي بدء، عن استذكارالتصريح الشهير الذي أطلقه وليد المعلم، وزير خارجية النظام، بعد ساعات أعقبتاغتيال مغنية، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي: ‘سنثبت بالدليل القاطع الجهة التي تورطت بالجريمة، ومن يقف خلفها!
وللمرء أنيضرب صفحاً عن التقارير المتضاربة التي تناولت واقعة الاغتيال، سواء تلك التي نُسبتإلى أرملة مغنية، من اتهام صريح لأجهزة الأمن السورية بالتورّط في العملية (قولها،إذا صحّ أنها القائلة: ‘لقد سهّل السوريون قتل زوجي’، و’رفض سورية مشاركة محققينإيرانيين هو الدليل الدامغ على تورط نظام دمشق في قتل عماد’، فضلاً عن تلميحها إلى ‘الخيانة’ و’الغدر’)؛ أو تلك التي صدرت عن وكالة أنباء ‘فارس’ الإيرانية، ثمّ صحيفة ‘كيهان’، حول دور سعودي في تنفيذ عملية الاغتيال، بتورّط مباشر من رئيس مجلس الأمنالقومي السعودي أنذاك، بندر بن سلطان، نفسه؛ أو، أخيراً، ما أشيع عن إرجاء السلطاتالسورية إعلان نتائج التحقيقات إلى ما بعد مؤتمر القمّة العربية، في نيسان (إبريلتلك السنة، وما تلاه من نفي سوري رسمي لهذه التقارير
وأن يضرب المرء صفحاً عنهذه المعطيات أمر لا يعني البتة تجريدها من كلّ صحّة أو مصداقية أو قيمة، إنْ لميكن بسبب معيار الاختبار القديم الذي يقول إنّ الدخان لا يتصاعد من غير نار؛ فعلىأقلّ تقدير لأنّ جهات ملموسة، رسمية أو شبه رسمية، ذات عناوين بيّنة وصلات وثيقة،كانت هي ـ وليس أيّ تكهن، أو تلفيق، أو ضرب بالرمل ـ مصادر تلك الأخبار. غير أنّالتشديد اليوم على صمت السلطات السورية إزاء جريمة الاغتيال، واستمرار السكوتطويلاً حتى دون تبيان سيناريو العملية؛ ارتدى أهمية خاصة في اعتبارَين أساسيين، بيناعتبارات أخرى قد تكون أقلّ مغزى.
الأوّل هو أنّ اقتفاء الخيط المفضي إلى جهةالتنفيذ المرجحة أكثر من سواها (الاستخبارات الإسرائيلية) لم يكن يحتاج إلى عبقريةاستثنائية من جانب سلطات تحقيق النظام السوري، خصوصاً وأنّ الأمين العام لـ ‘حزبالله’، لم يترك لبساً حول تلك الجهة، وسمّاها بالاسم الصريح. من جانبه، ورغم تفاديهالإشارة بوضوح إلى الخيط الإسرائيلي، قال وزير خارجية النظام السوري إنّ اغتيالمغنية هو ‘اغتيال أي جهد للسلام’، بما يوحي ـ وإنْ على نحو سوريالي، من طراز فريدـ إلى وجود جهة أخرى تسعى إلى نسف السلام بين إسرائيل والنظام السوري، وأنّ هذهليست سوى… إسرائيل ذاتها، التي اغتالت مغنية!
الاعتبار الثاني هو أنّ استمرارصمت السلطات السورية كان يشير، ضمن المنطق الاستقرائي البسيط، إلى حرج كبير حتى فياتهام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية؛ لأسباب لا تخصّ الحياء من دولة إسرائيلبالطبع، بل تتفادى تبيان هوية كبش الفداء المحلي الذي لا مناص من تقديمه للرأيالعام، السوري والعربي والعالمي، إذا شاء نظام الأسد أن يزعم أيّ حدّ أدنى منالسيطرة الأمنية على مقدّرات البلاد (إذ لم يكن يكفي، بالطبع، أن تكون الأجهزةشاطرة تماماً في اعتقال نشطاء المعارضة السورية!). والحال أنّ المعضلة لم تنحصر فيتدبّر كبش فداء كيفما اتفق، إذْ كان هذا الخيار مقدوراً عليه، وليست مَسْرَحتهبالإجراء الصعب أو غير المسبوق؛ بل المعضلة في أنّ أيّ كبش فداء لا يمكن له إلا أنيدلّ على اختراق (إسرائيلي، بالضرورة) بالغ الخطورة، من جهة؛ وأنّ أيّ كبش من هذاالطراز لا بدّ أن ينضوي مسبقاً في قطيع أعرض، يقوده واحد من الرؤوس الكبيرة، وهناالطامة: ليس الإجهاز على أحد أكباش ذلك الرأس، إلا إطاحة بالرأس نفسه في نهايةالمطاف!
هنا، كذلك، ينقلب ‘الخطّ الأحمر’ إلى ما يشبه الضوء الأخضر؛ في أنّتوجيه إصبع الاتهام إلى الاستخبارات الإسرائيلية، مدعومة ربما بعون لوجستي من أجهزةأخرى أمريكية أو غربية صديقة للدولة العبرية، أو حتى عربية يبهجها اغتيال مغنية؛ لايلغي نهائياً احتمال تورّط جهة، أو جيب أمني خفيّ بارع التمويه، داخل الأجهزةالسورية ذاتها. وقبيل اغتياله بأسابيع معدودة، تردّد أنّ مغنية ذهب بعيداً فيممارسة مهامّه الجديدة بصدد التنسيق بين ‘الحرس الثوري’ الإيراني وكلّ من ‘حزبالله’ والحركات الجهادية الفلسطينية. ولعلّه ذهب أبعد ممّا هو مسموح به، وتحديداًفي خرق ‘اتفاق الشرف’ المبرم مع السلطات السورية، والذي تضمّن إطلاع جهازالاستخبارات العسكرية السورية، ورئيسه آنذاك اللواء آصف شوكت شخصياً، على كلّ صغيرةوكبيرة في ذلك التنسيق.
وإذا صحّت التقديرات التي اشارت إلى أنّ أمن مغنيةالشخصي كان ثلاثي الحلقات، تشرف عليه حمايات تابعة لإيران مباشرة، ثمّ ‘حزب الله،والجهاز السوري أخيراً؛ فإنّ احتمال تصفيته على يد جهاز إيراني أفلح في اختراقالأجهزة السورية، أمر غير مستبعد، حتى إذا بدا ضئيلاً. إنّ انحياز ‘الحرس الثوري‘ إلى صفّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهو تطوّر تجلّى حينذاك على نحودراماتيكي غير مألوف في تراث الثورة الإسلامية الإيرانية، أسفر موضوعياً عن خلطجذري للأوراق وموازين القوى في الهرم الأعلى من السلطة الإيرانية. وغنيّ عن القولإنه أفضى إلى إعادة ترتيب البيت الأمني أوّلاً، وإلى إدخال تبديلات هنا وتعديلاتهناك، بوسائل متعددة ليست كلّها سلمية، لا يمكن أن يغيب عن بعضها خيار التصفيةالجسدية.
وفي العودة إلى الغارة الأخيرة، يقرّ الخبراء العسكريون بأنّ التخطيطلقصف قافلة تحمل أسلحة صاروخية حساسة، ليس البتة بالأمر الذي تكفيه مهارات طياريالقاذفات؛ ولا مناص من الحصول على، وحسن توظيف، معلومات استخباراتية دقيقة للغاية؛الأمر الذي يلوح أنّ إسرائيل نجحت في تأمينه، وعلى نحو بالغ السهولة أيضاً! تماماًعلى غرار السهولة التي اكتنفت سوابق كثيرة، غامت فيها غالبية الألوان، ما خلا… اللون الأخضر!

 صورة

استراتيجية إسرائيلية لما بعد الأسد! رندى حيدر (النهار)

فبراير 1, 2013

تكشف التحليلات الإسرائيلية الكثيرة للعملية الأخيرة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، والتي ترفض إسرائيل حتى الآن رسمياً الاعتراف بها، عدداً من المعطيات الأساسية المتعلقة بهدف العملية وتوقيتها، وترسم صورة مثيرة للقلق عما يمكن ان يؤول اليه الوضع على الحدود اللبنانية –الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.
يشدد المعلقون في إسرائيل على ان الهدف استرجاع القدرة على الردع في مواجهة “حزب الله”، التي تآكلت كثيراً منذ انتهاء حرب تموز 2006، وتطبيق سياسة “الخطوط الحمر”، ومنع “حزب الله” من الحصول على أي سلاح متطورة “يكسر التوازن “. فالقصف استهدف قافلة محملة صواريخ SA-17 الروسية الصنع، التي حصلت عليها سوريا في الفترة الأخيرة، وتهريبها الى لبنان لا يشكل خرقاً سورياً للخطوط الحمر وانما هو خرق للاتفاق الذي وقعته سوريا مع روسيا نفسها. ويلمح الإسرائيليون إلى أنه على رغم التنديد الروسي بالغارة، فهم ينسقون مع الروس في شأن هذه الأسلحة، وان هذا كان موضوعاً للزيارة التي قام بها المستشار الحكومي للأمن القومي يعقوب عميدرور لروسيا هذا الاسبوع.
ولكن لماذا توقيت الهجوم الآن بالذات، على رغم ان عمليات تهريب السلاح كما تدعي إسرائيل نفسها لم تتوقف منذ 2008؟ الجواب المنطقي عن ذلك له علاقة بالصراع الدائر في سوريا.
وهنا تصير الصورة أشد تعقيداً وتداخلاً، فعلى رغم الاستهداف الإسرائيلي لـ”حزب الله”، من غير المستبعد أن تكون مهاجمة قافلة السلاح داخل الاراضي السورية لعدم استفزاز الحزب وتجنيبه الرد على الهجوم، وتالياً تجنب مواجهة واسعة معه لا يبدو الإسرائيليون راغبين بها الآن، وهم يدعون أن الحزب أيضاً لا يريدها.
ويزيد هذا الافترض ربط الغارة بتدهور الاوضاع في سوريا، وبالمخاوف الإسرائيلية المتزايدة ليس فقط من تهريب السلاح الى “حزب الله”، وانما من مغبة وقوع مخازن السلاح السورية التقليدية منها وغير التقليدية في ايدي المعارضة المسلحة السورية على اختلاف أنواعها.مما يؤشر لبلوغ الصراع في سوريا مرحلة جديدة، وربما مقاربة إسرائيلية مختلفة لمواجهة مرحلة ما بعد الأسد.
والواقع ان دخول إسرائيل على خط ما يحدث في سوريا يضعها ليس فقط في مواجهة مع نظام بشار الأسد و”حزب الله” فحسب، وانما ضد المعارضة المسلحة في سوريا أيضاً. ويمكن اعتبار الغارة بداية تحرك إسرائيلي لمنع وقوع مخازن السلاح في سوريا في قبضة الثوار في سوريا أو”حزب الله” على حد سواء.
وأكثر ما يقلق أن ما جرى قد يكون بداية لعمليات إسرائيلية مشابهة، ولعودة التوتر الى حدودنا.

اليسار الغربي والنظام السوري: حب المخدوع مرتين

حازم صاغية وسامر فرنجية

تعلق اليسار الغربي، منذ 1967، بقضية فلسطين تعلقاً يعتذر فيه، لا عن الماضي الاستعماري للغرب فحسب، بل أيضاً عن الحب الذي محضه هذا اليسار لإسرائيل الكيبــوتـــزية و «الاشتراكية» واستمر عــشريـن سنـة بـعد نـشأتـها. إلا أن طاقــة التكفيـر شرعـت تـحول أنـظارها عـن فلسطين في 1993 إذ وُقعـت معـاهدة أوسلو للسلام عامذاك، وما لبث الزخم النضالي للقضية أن صار احتكاراً إسلامياً يجد اليسار الغربي له الأعذار إلا أنه لا يستطيع، لألف سبب وسبب، أن يمشي في ركابه.

و«سورية الأسد»، على عكس «حماس»، ليست إسلامية، لكنها أيضاً، على عكس «حزب الله»، ليست شيعية محكومة بولاية الفقيه. وفي نظرة ثقافية أعرض يمكن القول إنها تستقر لحظةً للتوازن المعقول بين «أصالة» مَن لا يفرط بالقضية و «حداثة» مَن لا يشكل إحراجاً لتقدمية اليسار المفترضة.

عند ذاك المنعطف، منعطف «الخيانة» العرفاتية، بدأت العواطف الصريحة تتجه نحو «سورية الأسد» التي كانت حربها القاسية على منظمة التحرير الفلسطينية طوال الثمانينات من أهم أسباب الاستنزاف الذي تعرضت المنظمة له واندفعت تحت تأثيره إلى عقد «صفقة» أوسلو.

والحال أن التحول من الهوى الفلسطيني إلى الهوى السوري لا يكلف كثيراً على صعيد الظاهر الأيديولوجي. فالمخزون اللفظي، ومدارُه مناهضة الإمبريالية ومعاداة إسرائيل، مشترك بين الطرفين العربيين. و «سورية الأسد»، وعملاً بنظريتها في تجميع الأوراق، لا تمانع في وضع هذه الوريقة اليسارية في جيبها، فيما هي تنافس الفلسطينيين على الأوراق الفعلية والأكبر. ذاك أن دمشق، الموصوفة بمناهضة الإمبريالية، كانت لا تتردد في اقتناص أي تعثر يطرأ على مسار السلام الفلسطيني – الإسرائيلي كي تدفع إلى الصدارة مسارها السلمي مع الإسرائيليين.

لقد كان كل تضخيم للدور السوري، أو بالأحرى الأسدي، انتقاصاً من الحق الفلسطيني يكمل معه اليسار الغربي، بسذاجة تقارب البَله، ما بدأه اليمين الغربي قبل عقود.

بيد أن هناك في حب اليسار الغربي لـ «سورية الأسد» عديد العناصر العميقة التي تسند هذا الحب. فسورية لا تقوم على نظام «إقطاعي» و «نفطي» و «عميل للإمبريالية»، لكنها، فوق ذلك، لم تقدم للعالم وجهاً كصدام حسين الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه. ولئن أقدم الأسد الأب على ارتكاب مجزرة في حماة، فإن ضحايا المجزرة إسلاميون «رجعيون» لا يندرجون في الخانة التي يندرج فيها الضحايا الذين صفاهم صدام وفي عدادهم رفاق في الحزب الشيوعي العراقي. وإلى ذلك، لم تتكشف «سورية الأسد» عن حرب أهلية مفتوحة كتلك التي عاشتها الجزائر، ولا انطوى زعيمها على غرابة أطوار محرجة من الصنف القذافي. فإذا ما أقدمت لاحقاً، مع النجل بشار، على اعتناق جزئي للاقتصاد النيو ليبرالي، أمكن تصوير هذا الانحراف بوصفه مؤامرة على نظام سورية «المُستهدَف في صموده». ولم يخلُ الأمر من بعض الغمز من قناة «الطبقة التجارية» السنية، الدمشقية ثم الحريرية، بوصفها من يشق هذا الطريق الأعوج ويُغري آدم بالتفاحة.

وهذا التأويل يستند إلى كراهيتين لم يبرأ منهما اليسار فعبر عنهما مباشرةً مرةً ومداورةً مراراً. فهناك، أولاً، وبحسب رواية تاريخية أحادية الخط، الكره «التقدمي» للسنية بوصفها العمق العثماني «الرجعي» ومصدر ملاكي الأراضي ومستودع التقليد «البائد». وهذا ناهيك عن أن طبقات سياسية سنية هي التي ورثت الأنظمة الكولونيالية في المشرق فمارست «العمالة» لدول المتروبول، وانتهجت، إلى هذا الحد أو ذاك، سبُل المؤسسات والبرلمانات مما لا ينم عن قطيعة جذرية مع الغرب وطرائقه. وهذا أمر تبَعي لم توقفه إلا الانقلابات العسكرية على تلك الطبقات المتعاونة. يصح ذلك في سوريين كجميل مردم وخالد العظم مثلما يصح في عراقيين كنوري السعيد أو أردنيين كوصفي التل. وقد جاء اللبناني رفيق الحريري يعيد الاعتبار لتلك الطبقات باستعراض ظافري يستحق عليه العقاب اللازم. وفي هذه الغضون غُض النظر عن التركيب الطائفي الأعرض للنظام السوري إذ التحليل بالطوائف استشراقي بالضرورة!

أما الكره الثاني، الشعبوي تعريفاً، فيطاول لبنان. ولما كان معظم ثقل السياسة السورية منذ 1976 يقع فيه، غدا الموقف السلبي من لبنان شرط الموقف الإيجابي من «سورية الأسد»، والعكس بالعكس. فقطاعات عريضة من سكان لبنان ترطن بالفرنسية، ثم إن بيروت، على عكس الشام «الأصيلة»، مكان هجين رضي على نفسه أن يكون واجهة للسلع الغربية. فإذا أضفنا اللون المسيحي التاريخي، اكتملت لليسار الغربي عدة التكفير عن ذنوب الآباء والأجداد مجتمعين. ولبنان، في آخر المطاف، بلد صغير لا يصلح لبناء الجيوش الجرارة كما لا يصلح «قاعدةً مادية عريضة للإنتاج»، وهو تعاقدي التركيب لا تسري عليه الأيديولوجيات الموحدة والتوحيدية التي تهبط من الأعلى إلى الأدنى فلا يشذ عنها إلا بضعة «خونة» و «عملاء». ثم إذا كانت «سورية الأسد» تبدي ميولاً توسعية وإمبراطورية، فهذا إنما يرشحها «موضوعياً» للصدام بما أنشأته معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية. فأين الضرر في ذلك؟

إلى هذا جاء حب اليسار الغربي لـ «سورية الأسد» في لحظة التحول السياسي لدور هذا اليسار الغربي ولطبيعته أيضاً. فمع انتهاء المشروع الناصري وفكرة الدولة العالمثالثية من جهة، وضمور الثورة الفلسطينية وانطواء أحلام المزج بين التحررين الوطني والاجتماعي من جهة أخرى، فقد اليسار الغربي المحاور العربي المفترض وتحول العالم العربي مجرد ساحة يُمارَس فيه التضامن من بعيد. إلا أن «سورية الأسد» عادت تبث بعض الحرارة في هذا الفتور: ذاك أن «ضرورات الصراع السياسي» مع الولايات المتحدة كما تجلت في العقد الأخير للقرن الفائت فرضت تقبل الدور الاستخباراتي والأمني لدى الأعداء الجدد لـ «الإمبريالية». في هذا السياق، ورثت «سورية الأسد» أيتام اليسار الذين صالحتهم «ضرورة الصراع» مع خيارهم الصعب أخلاقياً، فيما تبخرت اهتماماتهم النظرية السابقة بأنظمة «بورجوازية الدولة» و «البورجوازية الصغرى» ومؤسسات القهر والقمع التي تنشئها.

بيد أن «سورية الأسد» لم تتخلف عن دعم «المقاومات» في العراق ولبنان وفلسطين، على رغم وقوعها في «ما بعد» الناصرية و «ما بعد» الثورة الفلسطينية، أي ما بعد الصراعات المفتوحة والملتهبة أيام عز «المعسكر الاشتراكي». وهذا يوفر لما يُفترض أنه عقلانية اليسار زاد الواقعية والحكمة اللتين عبرت عنهما شخصية حافظ الأسد أحسن تعبير، قبل أن ينتقل الأمر إلى نجله بشار. فمع هذا الأخير تتخلص الواقعية والحكمة من أثقال الانقلاب العسكري والأبوية المفرطة ومجزرة حماة، أي من الاضطرارات المعذورة، فلا يبقى منها إلا التوازن الخالص. فوق هذا تضيف الصفات المنسوبة إلى بشار (زوجته، دراسته في بريطانيا، صغر سنه…) حجة للقول بنضاليةٍ مناهضة للإمبريالية من غير أن تكون أصولية أو سلفية. أي أن الرئيس السوري الحالي، و «العلماني»، يصح كاريكاتوراً عن ذاك الدمج القديم بين النضالين التحرري والاجتماعي.

لكن ذلك كله لا يُعفي من حقيقة محفورة حفراً في صلب الواقع، هي أن نظام الأسدين أكثر الأنظمة العربية بيعاً وشراء مع «الإمبريالية». وهذا إذا ما أفصح عن شيء فعن هامشية ذاك اليسار وعيشه في عالم غير هذا العالم. إنه حب المخدوع بذاته قبل أن يخدعه خادعه

 

الشرق الأوسط: أجندة جديدة للتعاون الأمريكي – الروسي

مادلين أولبرايت وايغور إيفانوف

خلال الأسابيع القليلة الماضية شهدنا تدهورا سريعا في مناخ العلاقات الأميركية الروسية، ونعتقد أن هذه التوجهات المؤسفة لا تخدم أيا من المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لبلدينا أو الأمن الدولي بصفة عامة. ولا يمكن لعلاقاتنا أن تظل رهينة السياسات في كلا البلدين، بل ينبغي علينا أن نضع خارطة طريق جديدة لعام 2013 وما بعده.

ومع إعادة انتخاب الرئيس أوباما وتحمل فلاديمير بوتين المسؤولية في موسكو، حان الوقت لكي يعيد كلا الزعيمين تفعيل التعاون الأميركي الروسي كي تستفيد منه الدولتان. وبمقدورهما أيضا التعاون معا لتعزيز الأمن العالمي وتمهيد الطريق لعالم أكثر استقرار وانتظاما.

تلتقي المصالح الأميركية والروسية في عدد من القضايا الملحة والآنية. وكما كتبنا معا في السابق، تتقاسم الدولتان هدفا عاما يتمثل في خفض الأخطار النووية. وقد كانت معاهدة «نيو ستارت» إنجازا مهما، غير أن هناك إمكانية لبذل المزيد، من بينها تسريع تطبيق التخفيضات التي أوصت بها المعاهدة (لماذا ننتظر حتى عام 2018 كي نصل إلى الحدود القصوى نافذة المفعول بشكل كامل؟)، وتدشين مفاوضات ثنائية جديدة لمزيد من التخفيض في المخزون النووي.

تسيطر روسيا والولايات المتحدة على نسبة 90 إلى 95 في المائة من الأسلحة النووية في العالم، ويمكننا سريعا أن نواصل المفاوضات بشأن مزيد من التخفيضات كي نضمن أمننا. وإذا فعلنا ذلك فسوف نكون أكثر إقناعا عندما نطلب من الدول الأخرى التي تمتلك أسلحة نووية الانضمام إلى معاهدة خفض الأسلحة النووية، وسوف نعزز من مصداقية دبلوماسيتنا في حشد الضغط الدولي ضد إيران لمنعها من محاولة إنتاج سلاح نووي.

ويشهد عام 2013 الذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة حظر التجارب النووية، أول اتفاقية للحد من الأسلحة النووية، ولذا فهو العام الأنسب لتصديق مجلس الشيوخ على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي كانت تعاني من الإهمال لثلاثة عشر عاما. ويمكن للولايات المتحدة أن تنضم إلى روسيا والدول التي وقعت على الاتفاقية ودخول المعاهدة حيز التنفيذ.

لا يزال النزاع طويل الأجل على الدفاع الصاروخي يلقي بظلاله على التقدم المحتمل بشأن الحد من السلاح، رغم تعبير كل من الناتو وروسيا عن التعاون في هذا الإطار. والآن حان الوقت كي نكون أكثر إبداعا. ومع قليل من الخيال على الجانبين، يمكن للدفاع الصاروخي أن يثبت أنه مغير اللعبة، ويجعل الناتو وروسيا حلفاء حماية أوروبا.

وقد ركزنا على قضايا الحد من السلاح فقط، لا بسبب التداعيات الأمنية على روسيا والولايات المتحدة. فالتقدم بشأن الحد من السلاح يمكن أن يساعد أيضا في تعزيز المكاسب في العلاقات الحدودية كما حدث في الماضي.

والتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا سيشكل أهمية خاصة بشأن عدد كبير من القضايا. فعلى سبيل المثال، لا ترغب الولايات المتحدة وروسيا في عودة أفغانستان إلى حكم طالبان أو أن تصبح دولة فاشلة. وربما كان ذلك سببا في تسهيل روسيا وتعاونها في تدفق الإمدادات إلى قوات الولايات المتحدة والناتو في أفغانستان. ومع اقتراب نهاية العمليات القتالية في أفغانستان، ينبغي على واشنطن وموسكو، معا، دعم القادة الأفغان في بناء مجتمع مستقر قادر على تحمل الضغط من المجموعات المتطرفة العنيفة.

من بين مناطق الاهتمام المشترك الأخرى تعزيز التوسع في علاقات الاستثمار والتجارة الروسية الأميركية، حيث تراجع مستوى العلاقات التجارية الثنائية كثيرا عما يفترض أن تكون عليه، بالنظر إلى حجم الاقتصادات في كل البلدين. وسوف تفيد الزيادة كلا البلدين، فدخول روسيا حديثا إلى منظمة التجارة العالمية سيسهم، كما هو الحال بالنسبة للتطبيق الكامل لبنود دخول السوق والتجارة المهمة التي جعلت الاتفاقية ممكنة. وكان قرار الكونغرس بإزالة قيود الحرب الباردة وتوسعة العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة لتشمل روسيا وضعا طال انتظاره.

من المؤكد أن التعاون بشأن بعض القضايا لا يعني أن على موسكو وواشنطن الاتفاق بشأن كل القضايا، وبسبب التفاعل على بعض القضايا، لا يزال من الصعب توقع الاتفاق حول كل قضية. ويمكن لاختلاف المنظور أن يكون في بعض الأحيان حادا حول سوريا وحقوق الإنسان والديمقراطية. بيد أن الاختلافات مهما كان تعقيدها وألمها ينبغي ألا يحجب التطور في العلاقات على جبهات أخرى. من المهم ألا نقاطع الحوار حتى بشأن القضايا التي تختلف فيها المواقف بشكل جذري.

يعلم تاريخ العلاقات بين واشنطن وموسكو أهمية الحوار الرئاسي والقيادة. وإذا ما قدر لدولتينا الحصول على الفائدة القصوى من المصالح المشتركة ينبغي على الرئيس أوباما وبوتين أن يجعلا الشراكة أولوية.

وقد يتوقع البعض أنه بعودة بوتين إلى رئاسة روسيا ستكون إدارة العلاقات الروسية الأميركية أكثر صعوبة. ونحن لا نرى سببا في افتراض ذلك. فإعادة توجيه العلاقات الثنائية اليوم أكثر قوة مما كانت عليه في عام 2008، وما كان هذا التطور ليحدث لو أن بوتين عارضه. التحدي الذي يواجه الرئيسين اليوم هو الانتقال الآن إلى المرحلة التالية – وهي تدشين مهمة تاريخية لبدء فصل جديد في العلاقات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة.

————————-
* نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية، الأربعاء، 2/1/2013.

 

الحياة اللندنية: مرحلة «الجحيم»: روسيا وأميركا تطلقان يد النظام

عبدالوهاب بدرخان *

الخميس ٣ يناير ٢٠١٣

لماذا اندفع الروس والأخضر الابراهيمي الى «حل سياسي» ما لبثوا أن أفشلوه بإدارتهم السيئة والمكشوفة الأهداف؟ ولماذا لم يتصرف المبعوث الدولي – العربي بأسلوبه واختار الطريقة اللافروفية؟ إنه التفاهم الاميركي – الروسي، أو تفاهم هيلاري كلينتون – سيرغي لافروف في 7/12/2012 في دبلن. الاميركيون يريدون أن يستبعدوا مسبقاً أي تطوّر قد يضطرهم لاحقاً الى التدخل. حتى «الخط الأحمر» الكيماوي ليس جدياً على رغم أن باراك اوباما نبّه اليه مراراً، واذا تجاوزه النظام السوري فلن تتدخل الولايات المتحدة ولا حلف الأطلسي، وقد فهم النظام أن في إمكانه استخدام هذا السلاح شرط ألا يتخطّى نطاقاً جغرافياً معيناً، وإلا فإن واشنطن و «الناتو» سيعتمدان على تدخل اسرائيلي.

يتبيّن الآن أن ما أوحاه الاميركيون للمعارضة من اعتماد عليها وما أغدقوه من وعود بالمساعدات المالية والأسلحة النوعية، قبل استيلاد «الائتلاف» في الدوحة وبعده، كان مجرد كلام. وما لا يريده الاميركيون يُحجم عنه «أصدقاء سورية» الآخرون، بدليل أن كل مصادر المعارضة تجزم بأن الدعم المالي والعسكري تضاءل منذ أواخر آب (اغسطس) الماضي ثم توقف كلياً منذ اعلان «الائتلاف». فواشنطن بحثت دائماً عن حل سياسي، صيغته المثلى أن ينخرط فيه الجزء «المقبول» من النظام وأن يتنحّى بشار الأسد فوراً أو بعد بضعة شهور، لأنها لم تعد تستطيع التعامل معه. لكن موسكو حاججت باستحالة الشروع في أي حل اذا لم يكن الاسد جزءاً منه ومتعاوناً فيه، خصوصاً أن المطلوب عاجلاً اعادة هيكلة الجيش والأمن. بعد تردد طويل، سلّم الاميركيون المهمة الى الروس ليعالجوا الأمر مع النظام طالما أنه حليفهم. اشترط الروس التحرك في اطار «اتفاق جنيف» الذي لا يقارب مسألة تنحي الاسد ولو تلميحاً، ووافقوا على تعديل «طفيف» في سياق التطبيق ومن خارج النص. هذا التعديل تمثل في عبارة «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة»، ما عنى أن الاسد مدعو الى التوقيع على تفويض صلاحياته، أي على «نقل السلطة» الى رئيس الحكومة الذي يُفترض أن يكون نائبه فاروق الشرع. اذا صحّ ذلك، فإنها صيغة متقدمة بل اختراقية، حتى لو عَنَت أن الاسد باقٍ في الصورة لبعض الوقت. وسواء أكانت حقيقة أم وهماً، فإنها تعطي الأولوية لوقف القتل والتدمير ولإغاثة المنكوبين وفتح الأفق أمام تغييرٍ في النظام، أما محاسبة القتلة والمجرمين فتأتي لاحقاً.

ما الذي حصل؟ انه السيناريو نفسه: جاء الابراهيمي. قابل الاسد. سلّمه «المقترح». استُمهل للجواب. وفي الانتظار ملأ بعض وقته بلقاء مع «معارضة الداخل» التي يعرف مسبقاً أنها لا تقدّم ولا تؤخر شيئاً في تحركه. ثم علم أن فيصل المقداد طار الى موسكو. أي أن الاسد اختار أن يناقش جوابه مع روسيا. اذاً، فالابراهيمي دُعي أيضاً للذهاب اليها ليتبلّغ أن رأس النظام يرفض نقل الصلاحيات، وأنه مصمم على البقاء حتى نهاية ولايته في 2014 وعلى ترشيح نفسه للرئاسة في الانتخابات المقبلة. وطالما أن المبعوث الدولي – العربي جاءه بصفته رئيس الدولة، فليس له أن يتدخل في صلاحياته، فهو من يعيّن رئيس الحكومة ويحدد له مهمّته… وللغرابة ها هي موسكو، وعلى هامش استقبالها المقداد، توجّه دعوة الى ائتلاف المعارضة للحضور والتباحث بشأن الحوار. أي حوار، مع مَن، وكيف، وبأي أجندة، ووفقاً لأي شروط؟

لم تكن موسكو تمكنت بعد من تسويق «الحل» لدى النظام، فإذا بها تقفز الى تسويقه عند الائتلاف. كانت هذه خطوة غير ديبلوماسية قابلها رئيس الائتلاف بردّ غير ديبلوماسي. لم يكتفِ بأن موسكو المتماهية مع النظام لا تُزار، بل يطلب منها الاعتذار عما ارتكبته بحق الشعب السوري، لكنه لم يرفض مبدأ الحوار، وهذا ما تلقفه ميخائيل بوغدانوف ليقول إن الحوار ممكن في أي عاصمة اخرى. طبعاً دار نقاش ساخن في مختلف أوساط المعارضة حول ردّ معاذ الخطيب، تحديداً حول مسألة «الاعتذار» والذهاب في العداء مع روسيا الى هذا الحدّ، لكن «الائتلاف» شعر بأن الروس والابراهيمي تعمّدوا تهميشه وأنهم لا يقدّمون له أكثر من كرسي الى طاولة حوار مع النظام يعرفون مسبقاً أنه يرفضه.

هي جولة أولى خاضتها روسيا، وسط صمت اميركي مطبق، وخرجت منها بتهديدات واضحة أطلقها لافروف كما لو أنه يتوجّه بها الى الطرفين، لكنه كان يعني المعارضة. وساهم الابراهيمي بدوره في التخويف من «الجحيم» و «الصوملة» واحتمال سقوط مئة ألف قتيل، مع علمه أن النظام لا يكترث وأن المعارضة لا تستطيع العودة الى الوراء. وإذ يستعد الروس والاميركيون لمعاودة التشاور قريباً لتقويم ما حصل في ضوء واقع أظهر بوضوح أن الطرفين غير جاهزين لعقد تسوية، ما يوجب تركهما ليحرق أحدهما الآخر، لعل الاكتواء بالنار يُنضج «الحل». ماذا يعني ذلك واقعياً؟ في الجانب السياسي ستطلب موسكو، طالما أن واشنطن أطلقت يدها، أن يبادر الاميركيون الى الضغط على المعارضة وضبط «أصدقائها» ولا سيما تركيا التي كان واضحاً أنها لم توضع في صورة ما تحاوله روسيا والابراهيمي. لكن الأسوأ سيكون في الجانب الميداني، لأن النظام تلقى من التحرك الروسي رسالة تطلق يده لإشعال «الجحيم» غير آبهٍ بالاستنكارات الدولية أو العربية التي لم يسمع شيئاً منها بعد مجزرتي حلفايا ودير بعلبة (استخدمت فيها صواريخ «الفاتح» الايرانية، ولم يشر «الناتو» اليها على رغم أنها أقوى من صواريخ «سكود»). في المرحلة الوشيكة سيخوض النظام معركة روسيا، التي باتت الآن تحضّه على الحسم، وتدعم اعتماده على خبرات ايران و «حزب الله»، لأنها تريد وضعاً ميدانياً مختلفاً تماماً حين تعود الى طرح الحل السياسي بعد أسابيع قليلة. وفي الوقت الذي كانت المعارضة تنتظر مدّها بأسلحة نوعية، صار المتوقع أن يحصل النظام على أسلحة كهذه. فموسكو تريد منه أن يظهر قدراته وأن يذهب الى أقصى ما يستطيعه. لذلك يشعر النظام راهناً بأنه في صدد اكتساب الصمت الدولي الذي مكّنه قبل ثلاثين عاماً من ارتكاب مجازر حماه، اذ تتحدّث مصادره عن آلاف القتلى في «مفاجآت مروّعة» في ريف دمشق.

لم تكن واشنطن وحدها صامتة طوال الاسبوع الديبلوماسي بين دمشق وموسكو، فهل تركت الروس والابراهيمي يحاولون لتقول كلمتها من بعد؟ لا، الأرجح أنها قالت ما عندها يوم 11/12/2012 في العشية المباشرة لمؤتمر «أصدقاء سورية» في مراكش، عندما أعلنت وضع «جبهة النصرة» على قائمتها للدول والتنظيمات الارهابية. فهذا الموقف أفصح عن حقيقة الموقف الاميركي بأكثر مما عبّر عنه الاعتراف بائتلاف المعارضة في اليوم التالي. في النهاية لم تفصل واشنطن مقاربتها للوضع السوري عن العقدة التي ورثتها من تجربتها العراقية، كما لو أنها بلغت في مراجعتها ليس حدّ الندم على اسقاط نظام صدّام حسين فقط، بل أيضاً حدّ الحرص على الإبقاء على نظام بشار الاسد. أما الصمت غير الطبيعي فيبدو أشبه بالفسحة الضرورية الفاصلة بين موقفين ووجهين، فليس مستبعداً أن تستهلّ أميركا 2013 بوجه آخر يقول إنها تقف وراء المساعي الروسية من خلال مساندتها مهمة الابراهيمي، وأنها تعتقد أن الحل المقترح جيد بالنظر الى الفوضى التي غرقت فيها سورية. وفي أي حال أمكن المعارضة، في الاسابيع الاخيرة، أن تلمس انكماشاً في تعامل «الاصدقاء» معها… فتّش عن اميركا!