قراءات في الأدب السياسي لحزب العمل الشيوعي

أبو فادي

ثورات الربيع العربي بعد عامين على انطلاقتها 
من المهم جدا أن ندرك أن حقبة تاريخية جديدة ومهمة في مسار شعوب المنطقة قد بدأت منذ عامين عنوانها الرئيسي القطع الكامل مع حكم الاستبداد والبدء بإنجاز مراحل ديمقراطية تؤدي في النهاية إلى انتقال كامل إلى تطبيق شكل راق من أشكال الديمقراطية الشعبية التي تلبي رغبات الجماهير وتحقق لها حريتها وكرامتها. 
ولعل ما يميز هذه الثورات أنها كانت عفوية شاركت فيها كل الفئات والشرائح الاجتماعية دون تمييز بين طبقة اجتماعية وأخرى أو بين مذهب وآخر أو بين طائفة أو قومية وضمت في أحضانها كل الأعمار من الأطفال حتى الشيوخ الكبار مرورا بالشباب والشابات والنساء بكل مراحل العمر ، وكانت سلمية عارية الصدور لا يحمل أصحابها إلا إراداتهم وعزيمتهم التي لا تلين. 
أما الميزة الثانية فكانت كسر حاجز الخوف وتخطي حالة الرعب التي عاشتها هذه الشعوب على مرور عقود طويلة من الاستبداد والقهر والعسف حطمت المجتمع وكسرت إرادته وأفقدته ذاكرته وحرمته من حقه في التعبير وإبداء الرأي والمشاركة في القرارات التي تخص حياته ومستقبله في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة ، وأصبح الهاجس الأمني يرافقه في حركته وفي عمله وحتى في نومه. 
شوهت الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية صورة هذه الثورات ووصمتها بأبشع صور المهانة والعداء واتهمتها بالإرهابية والجهادية وأخذتها إلى قبور الظلام التاريخية البائسة كما اتهمتها بالعمالة والخيانة والارتهان للخارج بكل أشكاله وأطيافه التي تعادي شعوبنا وتعمل ليل نهار بشكل مباشر أو غير مباشر مع الأنظمة الاستبدادية على وأد هذه الثورات وقطع صيرورتها ومنعها من التحول إلى بلدان ديمقراطية تعددية. 
رغم سلمية الثورات الشعبية في أغلب بلدان الربيع العربي فقد قابلتها الأنظمة الديكتاتورية وخصوصا في ليبيا وسورية بالحديد والنار مع فارق واضح في تونس ومصر واليمن حيث تم الانتقال وتنحي هذه الأنظمة عن السلطة بطريقة أكثر سرعة وسهولة بسبب ظروفها وتركيبتها وانحياز مؤسساتها الأمنية والعسكرية إلى جانب الشعب وبسبب دور العامل الخارجي في الضغط على هذه الأنظمة بالتنحي عن مواقعها. 

ملامح الثورة المصرية وآفاق تطورها 
ما من شك أن الانتقال السريع للسلطة من حالة الاستبداد إلى الحالة الديمقراطية أدى إلى وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة بطريقة منتخبة وشرعية ولا شك في ذلك لأنها جرت (أي الانتخابات) بطريقة ديمقراطية وشفافة ، وتم انتخاب محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر ولكن مرسي وباعتباره أسير تنظيم الإخوان المسلمين فإن ذلك دفعه إلى الوقوع في خطأ الأسر الحزبي بدلا من الذهاب إلى اعتبار المسؤولية الوطنية هي الأهم وهي الأولوية في أي سلوك أو عمل يؤدي إلى خدمة الثورة وتحقيق أهدافها. 
كما كان على مرسي أن يدفع بكل جهوده لتثبيت وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية قبل القيام بمهمات هدفها تثبيت حكمه كأغلبية حزبية ، فالمسؤولية الوطنية وإنجاز التوافق الوطني كان يتطلب عدم إقصاء أي من التيارات أو القوى السياسية التي عملت وساهمت في انتصار الثورة المصرية وذلك للوصول إلى اتفاق كامل على الأسس والقواعد التي تؤدي إلى تحقيق منجزات وطنية كبيرة حملتها الثورة الشعبية كأهداف ومهام عليها إنجازها وتحقيقها. 
صحيح أن الاستبداد لم يرد علمنة المجتمع بسبب اعتماده في تسيير أمور السلطة والحكم على الكتلة الإسلامية الكبيرة في المجتمع ، وهذا لا يدفع في المقابل نظام الحكم الجديد في المصر إلى أسلمة المجتمع وتركه يغوص في متاهات الشريعة الإسلامية. 
إن هذا لا يعني أن هناك تحولا فكريا عند الإخوان ولكن هذا سيكون تدريجيا وبهدوء وهذا ما يحتاج إلى إعطاء فرصة وإشراك القوى الديمقراطية والليبرالية في حوار جديد وفعال يمكن الإخوان من الابتعاد عن أساليب الاستبداد وطرق الحكم القديمة والخلاص من ثنائية الاستبداد والإسلام السياسي وبالتالي الوصول إلى حالة من الاستقرار والتكيف الثقافي والسياسي مع الحالة الديمقراطية الجديدة التي لم تعهدها أي من القوى السياسية. 
نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها وهي أن فلول النظام السابق والبائد قد تسربت بقوة إلى أطياف العمل السياسي المصري ومنها الإخوان وهذا ما يدفع إلى انحراف في مسيرة العمل الديمقراطي ، وعلى القوى السياسية الانتباه إلى خطورة مثل هذا التسرب التنظيمي والسياسي والعمل على تفكيك مؤسسات النظام السابق وليس اجتثاثها وهذا يتم عبر الالتفات إلى أن مصلحة الأمة فوق أي اعتبار وأن الحل يمر من خلال حوار وتعاون بين كل القوى الوطنية والديمقراطية التي لها مصلحة حقيقية في إنجاز مهام الثورة . 
في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن ما يجري في مصر هو تفاعل صحي وسليم للغاية ومن الضروري جدا اعتبار أن ما اعتمد عليه النظام السابق من إقصاء سياسي واجتماعي وثقافي هو ما يجب الابتعاد عنه ، لأن كل المصريين هم أمة واحدة وشعب واحد ولأن الإيديولوجيات عندما تتحول إلى هويات لا يمكن إقامة تعددية ولا إقامة ديمقراطية.

الثورة التونسية 
لعل ما يميز الثورة التونسية هو سرعة الانتقال إلى نظام ديمقراطي متجاوزة كثيرا من العقبات التي خلفها النظام السابق وأن الدعوة إلى إقامة نظام علماني في خطاب المنصف المرزوقي يكون تقبله بسيطا وضعيفا بسبب حالة الاستقطاب التي لا تعي هذه المسألة بدقة ولا تفهمها إلا تكفيرا للمجتمع والدولة والمطلوب هو تحول تدريجي يميز بين القضايا السيادية والقضايا السياسية. 
إن الشعور العام عند القوى السياسية التونسية هو أن الأزمات كثيرة ومعقدة وأن النظام لم يفهم أنه لا يمكن حلها بين ليلة وضحاها ولا تحل بيوم واحد وعليه أن يشرك المجتمع بكامله في إنجاز وحل هذه الأزمات وذلك برسم معالم المرحلة المقبلة وإشراك القوى السياسية وهذا ما يحتاج إلى توافق أو اتفاق حزبي وليس إلى الاختلافات داخل حركة النهضة.
إن التعثر في مسار الثورة وعدم إيجاد تصور كامل لتجاوز مثل هذه العثرات يتطلب تنشئة جديدة وتربية ثقافية صحيحة وتراكما نضاليا كبيرا يجسد واقع الشعب التونسي واحترام قناعاته وطريقة تفكيره وآليات العمل المعتمدة لديه.

ثورة اليمن وقضاياه المعقدة 
تعتبر الثورة اليمنية من أصعب الثورات في الربيع العربي من حيث صعوبة الوضع والأزمات المعقدة التي تحتاج إلى جهد كبير وعمل جاد وسؤول لحل جملة العقد المزمنة في الواقع اليمني فالواقع القبلي والمذهبي المعقد يحتاج إلى جهود مكثفة واهتمام عالي المستوى ودعوة إلى التآخي والمساواة وإجراء تحولات ثقافية واقتصادية في بنية المجتمع اليمني للوصول إلى تعددية حقيقية وتوافق سياسي على مستقبل اليمن ودفع سوية المجتمع بطريقة ديمقراطية وإشراك مجمل الشعب اليمني في العملية الديمقراطية الجديدة بحيث يتجاوز كل الإشكاليات التي كادت تؤدي إلى صوملة الوطن وجره إلى اقتتال أهلي وتفكك بنيته الاجتماعية والوطنية. 
إن الدور الذي لعبته القوى السياسية في الوصول إلى حلول توافقية والوصول إلى الحلول المرضية للجميع قد جنب اليمن حربا أهلية طاحنة ومديدة ، واللقاء المشترك بين كتلة الأحزاب السياسية كان له الأثر الكبير في نجاح الانتقال السلمي للسلطة. 
كما أن مشكلة الجنوب اليمني هي إحدى المعضلات المهمة والتي على القيادة الجديدة مهمة مواجهتها وحلها عن طريق إعطاء حكم ذاتي لجنوب اليمن والتعاون بينها وبين القوى الفاعلة في الجنوب لتجاوز كل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الجنوب اليمني بمكوناته الاجتماعية والسياسية ومساواة مواطنيه بكل الحقوق والواجبات التي تقتضيها أسس العلاقة بين كل المواطنين وما يقتضيه المسار الصحيح للثورة هو استقلاليتها في اتخاذ القرارات الوطنية المهمة وعلى رأسها رفض الوصاية والتدخل الخارجي ولاسيما الأمريكي في شؤون اليمن الداخلية وخصوصا فيما يتعلق بمواجهة تنظيم القاعدة الذي انتشر أفقيا وعموديا في بنية المجتمع اليمني ومؤسساته العسكرية والمدنية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: