عبد العزيز الخير جدلية المعتقلات والحرية

 

حكاية رجل في بحث حثيث عن الحرية  …حكاية مناضل طويلة ,عندما كان لا يجرؤ الكثيرون على الشكوى والاحتجاج ,وقف في وجه الجلاد يطالب بالحرية ..حلم الحرية الذي ما زال على كل من يفكر فيه أن يخسر حريته وربما حياته ومع ذلك كان يتساءل “أبو المجد “ما الإنسان دون حرية ؟!

تفتح وعيه باكراً ًعلى ما يجري في بلاده ,متنقلاً بين المدن السورية من اللاذقية إلى حمص ودمشق و…استطاع الجمع بين دراسة الطب البشري والاهتمام بالشأن العام ,ثم اختار التفرغ للشأن العام ,والوقوف في وجه من يحر م السوريين من حق الكلام والدفاع عن ابسط حقوقهم الإنسانية .وظل متميزاً ًبقدرته على الفصل بين السلطة وبين الدولة.وافرد اهتماماً  خاصاً بإرهاب الدولة البوليسية والتي مارست الاختطاف لأقارب الناشطين السياسيين واحتجازهم كرهائن للضغط على المناضلين وأسرهم .وكان “أبو المجد”واحداً من العديد من المناضلين الذين تعرضوا لذلك الإرهاب ,حيث اعتقلت زوجته”أم المجد”عدة سنوات كرهينة ,وحرم الطفل “مجد” من والديه .ومع ذلك كان عبد العزيز, الأهدأ بيننا ,لا يقدم على أية ردود فعل تؤثر على مشروعنا الديمقراطي التغييري .وكان حريصاً على تسجيل كل تلك الجرائم    غير الأخلاقية  وتوثيقها في “مذكرات ديمقراطية” للمعتقلين والشهداء من كل أطياف الحركة الوطنية الديمقراطية .وفي سياق حملة 1986-1987و1988 .وجه عبد العزيز, رسالة إلى المثقف العربي ,تزامنت مع مشروع وثيقة حقوق الإنسان التي  أطلقها ألأستاذ سعدي يوسف ,كانت رسالته :وأنت ماذا فعلت وماذا ستفعل ؟منتقداً المثقفين العرب واليساريين منهم الذين يصدرون بيانات ضد قمع الجهات الأربع ويتجنبون ساحتهم الفعلية …

    ركز الخيَر جل نشاطه على ضرورة إنجاز الديمقراطية ورفض الاستبداد والنضال ضده بكافة الأشكال ولم تغب المسألة الوطنية عنه ,بل كان يؤكد على الصلة العضوية بينهما وتتقدم المسألة الديمقراطية على الوطنية خطوة كونها تشكل مفتاحاً لها .ولذلك كان الخيَر واضحاً في موقفه الداعم  للمقاومة الفلسطينية واللبنانية عموماً واليسارية منها على وجه الخصوص ,وحريصاً وداعماً لاشتراك  أعضاء  من حزب العمل الشيوعي ومناصريه  للدفاع عن بيروت في العدوان الصهيوني عام 1982 .وسقط للحزب أكثر من شهيد والعديد من الجرحى.

وبذل الخير  أقصى  الجهود من أجل ولادة الإطار القانوني الأول  في سوريا “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا “في أوائل  التسعينات , الذي أطلقنا عليه “عقد الظفر بالحريات “,وأطلق الخَير مبادرات لتفعيل ديناميات وآليات اجتماعية وأهلية للضغط على النظام من أجل الإفراج عن مئات المعتقلين .توجت تلك الجهود في تسجيل سابقة نضالية في تاريخ المرأة السورية ,عندما تمكنت  300 امرأة  من كل سوريا الوصول إلى قصر المهاجرين في اعتصام للمطالبة بالمعتقلين …فجن جنون النظام آنذاك وسارع إلى تكثيف البحث عنه ,وأخذت الأجهزة الأمنية تتسابق للقبض عليه .أضيفت تلك  التهمة إلى سجل سابق   حول دوره في تظاهرة النيروز عام 1986 , ودوره في  إسقاط قائمة الجبهة في انتخابات الإدارة المحلية في بلدة صيدنايا بالاشتراك مع الرفيق جريس التلي , حيث اعتقل جهاز ألأمن السياسي رئيس بلدية صيدنايا ,وكان الهدف من ذلك إلقاء القبض على أبو المجد ,وقبلها  وبعدها المناضل الوطني الديمقراطي والقيادي البارز في حزب العمل الشيوعي ,لكن فرع الأمن العسكري كان الأسبق و ذلك اليوم في الأول من شباط/فبراير1992 الذي تم فيه اعتقاله وقدم إلى محكمة أمن الدولة سيئة الصيت مع المئات من المناضلين حيث كانت ووجهت لهم تهم عديدة من “مناهضة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية” و”الانتماء إلى جمعية سرية وعرقلة التطبيق الاشتراكي.”… ,وكانت نتيجة تلك المحاكمة الصورية   ,اثنان وعشرون عاماً فقط,قضى منها أربعة عشر عاماً .ويعرف كل من كان في السجن أو مر عليه ,الدكتور عبد العزيز الخير ,الطبيب والإنسان والمعتقل الذي سهر على رعاية السجناء طبياً ونفسياً.ولم يتأخر بعد الإفراج عنه في العودة إلى ممارسة العمل السياسي والتنظيمي .وانخرط في الجهود التي كانت تمور بها الساحة السورية من أجل رؤية  مقاربة لقوى المعارضة  التي انطلقت مع بداية الألفين من ربيع دمشق إلى إعلان دمشق وقد شغل الخير نائب الرئيس فيه حتى أواخر2007 . ولم تنقطع سلسلة   نضالاته وهذه المرة على النطاق اليساري فقد ساهم الخير وبشكل أساسي مع الرفاق القدامى واليساريين السوريين بتأسيس تجمع اليسار الماركسي (تيم) الذي حاول إعادة  الحياة له من جديد بعد حالة الاستنقاع التي أوقفت النبض السياسي السوري عموما واليسار خصوصاً .   

ومع اندلاع الثورة السورية ا

انفتحت آفاق للعمل السياسي النهضوي رغما عن الاستبداد الذي كتم على أنفاس السوريين لنصف قرن على أقل تقدير. هذا الحراك بشكله السياسي لم يرق للنظام الاستبدادي بطبيعة الحال كما أنه لم يرق أيضا للبعض , ممن حاولوا تجيير  نويَيات  البنى السياسية الآخذة بالتشكل رويدا رويدا  وأخذوا التبشير بنهاية السياسة من جهة والدعوة لإغراق الحراك السلمي  بالسلاح وقد شكلت تجربة الخير رئيس لجنة العلاقات الخارجية في هيئة التنسيق محورا في كسر ثنائية الاحتكار(احتكار السلطة والمعارضة ) أمام الشعب السوري والمجتمع الدولي مبرهنا على أنه يمكن  للداخل السوري المعارض أن يبني مؤسساته السياسية المعارضة ذات قوة  معقولة تستطيع انتزاع السلطة من نظام احتكرها نصف قرن هذا

من جهة ومن جهة أخرى برهن الخير, على أنه يمكن للمعارضة أن تعمل على الأرض السورية وقيادة المجتمع على الأرض  وليس  مع الشعب السوري الذي عاد للواجهة بعد أن غيب عقوداً  يقدم دمائه وأبنائه في سبيل الحرية والكرامة ويعاني من  المجازر اليومية التي ترتكبها الآلة الأمنية للنظام الدكتاتوري بسب الحل العسكري, الذي أدخل البلاد في نفق من القتل ودائرة من العنف والعنف المضاد وجرائم  الخطف  والقتل والفرز الطائفي وتصعيد التطرف الديني والذي يفتح البلاد على كل الاحتمالات الدموية و يرفع  فاتورة الدم السوري و يدفع نحو استدعاء  التدخل العسكري .

نفذ النظام عملية اختطافه مع رفيقيه قبيل المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية بأيام للتأثير عليه وإرباكه إن تلك الرسائل لم تثن رفاقهم عن الفعل السياسي المعارض الذي يشكل المدخل الرئيسي لإنقاذ البلاد بمبادرة أهلها وحرصهم  على إيقاف القتل وتهديم المدن وتشريد سكانها   و الانتقال إلى دولة القانون والحرية والعدالة الاجتماعية .

. كان الخير حريصاً على العمل لضمان وصول الثورة إلى أهدافها في إنهاء الاستبداد والانتقال إلى الدولة الديمقراطية العلمانية وبناء سوريا المستقلة ذات السيادة والشعب الحر فكان يدعو و يدعم كل ما يوصل الشعب السوري إلى أهدافه  فسارعت أجهزة القمع لاختطافه مع رفيقيه  وإنكارهم بما يستبطن ذلك من مخاوف جدية على حياتهم , ومن الواضح أن نظام الاستبداد ورعاته أصحاب المصلحة الحقيقية في إيقاف هذا العقل الفاعل المباشر” فكان لابد لهذا العقل أن  يغيب” على حد تعبير المدعي العام أثناء محاكمة أنطونيو غرامشي .  وبالتالي يضع النظام   الثورة السورية في عنق الزجاجة تكريساً لحالة  الاستعصاء الداخلي التي لا زالت  تدمر البنى التحتية إضافة لتفكيك الوحدة الوطنية وهو الرهان الوحيد لنجاح الثورة وإنجاز أهدافها  السياسية  بتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية   وكما عبرٌ بعض المثقفين اللبنانيين  ( منهم زياد الرحباني و مارسيل خليفة و فواز طرابلسي )أثناء الاعتصام التضامني مع الخير رفيقيه   والمعتقلين في غياهب أقبية  القمع بأن اعتقالهم  إنما يشكل ضربة  لقيم الوطنية والسلمية والمدنية الديمقراطية  وللشكل السلمي للثورة السورية  ومن أجل ذلك و غيره  لا يمكن  الصمت عن اعتقال مناضل تاريخي ومثقف عضوي لم ينفصل يوما عن شعبه وقضاياه.  

 

محمود عيسى .           

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: