المصالح الروسية في ميزان الأزمة السورية


أبو فادي

لا يختلف اثنان من السوريين بأن موسكو /2012/ هي غير موسكو/1990/ ، فالمسار العام لروسيا الاتحادية قد تغير كثيرا فالتجربة الاشتراكية قد سقطت وحكم الحزب الواحد قد رحل وديكتاتورية البروليتارية (أي حكم الطبقة العاملة) زال من حكم ما يسمى الجمهوريات الاشتراكية ، وصار “مأخذا أو عيباً ” تتلظى خلفه الليبرالية السياسية لبسط ثقافتها وأيديولوجيتها على شعوب الأرض وأصبح المسار الديمقراطي عنواناً لأي تغيير مرتقب على مستوى الكون .
لكن الشيء الذي لم يتغير حتى اللحظة هو الموقف الروسي من النظام السوري في كلا الحقبتين قبل وبعد 1990 وبالرغم من رفض الإدارة الروسية لما عاشته في الفترة السابقة من استبداد سياسي وحكم شمولي وإرهاب دولة فهي قبلت ذلك لسورية حتى بعد الثورة السورية في مطلع 2011 وحتى الآن.
وهذا ما يحتاج إلى وقفة متأنية وقراءة دقيقة للمصالح التي تراها القيادة الروسية مرتبطة أساسا بوجود واقع لم يتغير في سورية حتى الآن وهو يعني مراعاة هذه المصالح على الرغم من مرور عامين على الحالة التي تمر بها البلاد وعلى تطورها والذي قاد سورية إلى دولة فاشلة وبالتالي فان هذه المصالح (أي المصالح الروسية ) قد أصبحت مهددة ، وزوالها محتم في لحظة أي تغيير قد يقود إلى انهيار النظام بطريقة عنيفة أو حتى بطريقة سلمية تقضي إلى رحيل النظام وانتقال سورية إلى أي حالة ديمقراطية.
المصالح الروسية في سورية من الأهمية بمكان قادت الكثير من القادة الروس إلى الحديث أنهم يدافعون عن موسكو في دمشق وهذا صحيح في التعبير السياسي من أن نهاية الأزمة السورية سوف يرسم ملامح قطبية جديدة على مستوى التطورات في العالم كله .
فالمصالح الروسية (الجيوسياسية) النابعة من موقع سورية الاستراتيجي والمهم ودورها المركزي في التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والدور الذي يلعبه النظام كبيضة القبان في الحفاظ على التوازن المهم بين الشرق والغرب وغياب هذا الدور يفقد الروس إمكانية الحفاظ على مصالحهم في المنطقة وكذلك الخلل في مستوى المحاور المتنوعة التي يتم الصراع الناعم من خلالها والذي كان للمنطقة دورا بارزا في فترة الحرب الباردة التي أدت إلى هزيمة الاتحاد السوفيتي والتجربة الاشتراكية ككل .
إن جملة المصالح الروسية تتركز أساسا في المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية
فمن الجانب السياسي : الخوف الناتج عن امتداد الربيع العربي ذو الثقافة الجديدة والإسلامية من الامتداد إلى جمهوريات روسيا الاتحادية وإحداث تغيير جذري في هذه البلدان وانفصالها عن الجسد الروسي وبالتالي تهديد مباشر للمركز الروسي وخصوصا أن شكل ومحتوى الديمقراطية السائدة في روسيا وجمهورياتها غير متجذرة وغير أصيلة ولم تعتمد المؤسسات الدستورية والقانونية والمدنية التي تؤسس للديمقراطية كما هي سائدة في بلدان أوربة وأمريكا فهي مازالت تعتمد ” التوريث السياسي “(بوتين ـ ميدفيديف) وتمنع حرية الفكر والتعبير وهي مازالت تعتمد القوة العسكرية في إخضاع خاصرتها في الشيشان .
وفي الجانب الاقتصادي : ترى القيادة الروسية أن مصالحها في الشرق الأوسط تمر عبر سورية باعتبارها البوابة الجنوبية حيث أن هناك كثير من العلاقات التجارية والمالية والاستثمارات ورجال الأعمال الروس وأن وجودهم في سورية يعني ضمانة حقيقية لكل هذه المصالح .
أما من الناحية العسكرية : فبالإضافة إلى أن سورية مستورد كبير للأسلحة الروسية من كل الأنواع والأصناف فان قاعدتها البحرية في كل من طرطوس واللاذقية لها أهميتها الإستراتيجية في إصلاح السفن الحربية الروسية وتزويدها بالمؤن والوقود ومنتجع مهم لاستراحة جنودها وهذا يعتبر مهما لروسيا من حيث وجودها اليتيم على أطراف المياه الدافئة. وكذلك فان وجود محطات إنذار مبكر على الجبال السورية ومحطات رادار كبيرة يسهل على الروس مراقبة حركة الأساطيل الغربية و الأمريكية في مياه البحر الأبيض المتوسط كما أن لهذه المواقع جميعها دور مهم في التجسس على حركة توزع الصواريخ الإستراتيجية والعابرة للقارات وخصوصا المنتشرة في تركيا ومنطقة الخليج العربي والعراق. إن حزمة المصالح الروسية في الوطن السوري تشكل أرضية سياسية تعتمد عليها القيادة لخدمة هذه المصالح وعدم التفريط بها ولصالح جهة النظام على جهة الشعب وثورته وهذا ما خلق شرخا قويا بين ثورة الشعب السوري وسياسة روسيا الاتحادية بعد جملة المواقف التي اتخذتها بدعم النظام بكل مدد القوة و الفيتو المتعدد في مجلس الأمن ومنع المجتمع الدولي من اتخاذ موقف حازم من النظام السوري لتخفيف عنفه وتدميره اتجاه الوطن والشعب وشكل أرضية للعداء والبغضاء وتحميل الروس مسؤولية القتل والدم بدعمهم المطلق للنظام .
إن إدراك الروس للواقع السوري ومعرفتهم الدقيقة بتفاصيل الحياة السياسية والثقافية و الاجتماعية يدحض مزاعمهم بالخوف من وصول متشددين إسلاميين إلى السلطة في ظل أي تغيير ديمقراطي في سورية .
إن أي موقف يضر بمصلحة الشعب وثورته هو موقف عدائي سواء كان هذا الموقف من موسكو أو من بكين أو من واشنطن وكل موقف يقدم خدمة على مستوى دعم الشعب السوري وثورته بما يحقق أهدافه في الحرية والكرامة وتحقيق السيادة الكاملة وإعادة الأراضي المحتلة هو موقف يخدم الوطن والشعب ولا يغيب عن فهمنا المبدئي لهذا الموقف ما يقتضيه الموقف السياسي من أن أي عمل يهدف في المرحلة الراهنة إلى وقف العنف ولجم الصراع ووقف آلة النظام عن القتل والبطش والتدمير وتسهيل عملية الانتقال السلمي للسلطة هو موقف تكتيكي تقتضيه ضرورات الأزمة وتداعياتها وإغلاق سبل وآفاق الحسم العسكري و السياسي و بالتالي زيادة التعنت و التفريط بحقوق الشعب والوطن في أسوأ و أعقد أزمة سياسية ووطنية مرت بها المنطقة منذ عقود ، كما نرى أنه من المفترض من الحكومة الروسية الضغط على حليفها السوري لوقف العنف والمجازر وهذا ما لم يحصل.

أبو فادي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: